رواية جديدة
ـ عارفة؟ عندك حق. خلاص، تعالي بكرة عندنا على العشا. هنعمل لمة عائلية وكل الناس هيبقوا موجودين.
ابتسمت وهي فاكرة إنها كسبت الجولة، ومشيت.
أما تاني يوم...
فأول ما دخلت بيتي...
طلعت منها صړخة هزّت العمارة كلها..
أول ما دخلت نجلاء بيتي في الليلة التانية، كانت باينة عليها الثقة والغرور، وداخلة تشيل مناخيرها في السما كأنها ضيف شرف في حفل تكريم.
لكن الصړخة اللي طلعت منها ما كانتش مجرد استنكار، دي كانت صدمة هزّت جدران الشقة كلها!
لما دخلت نجلاء الصالون، لقت العيلة كلها متجمعة: جوزي، حماتي، وأعمام جوزي وزوجاتهم. لكن مش ده اللي صدمها...
اللي صدمها إنها لقت أجدد وأغلى "أجهزة أليكسا (Alexa)" الذكية محطوطة في نص الصالون، ومتوصلة بسماعات ضخمة مالية المكان، وشاشة عرض كبيرة ظاهرة على الحائط.
وقبل ما تسأل، كان صوت الجهاز الذكي العالي والواضح بيملأ الشقة، وهو بيذيع بصوت "نجلاء" الحقيقي، وبأعلى جودة تسجيل:
"إيه يعني لما أرمي العيال عند الولية العجوزة دي؟ ما هي قاعدة في البيت ومش وراها حاجة! وليها معاش كمان... دي لقيتها تسالي تلهيها عن الوحدة، أحسن ما تقعد حاطة إيدها على خدها!"
الشقة سكنت تمامًا، وتحول الجو في ثانية واحدة لثلج قطبي.
الكل بص لنجلاء بصه كلها صدمة واحتقار. صوت التسجيل كان واضح، ومنقول بدقة، ومشترك فيه أكتر من موقف قالت فيه نفس الكلام المهين عن أمي وعن استغلالها.
الفخ اللي اتنصب بدقة
نجلاء اتلونت ألوان الطيف، وشفايفها بقت ترجف، وبحركة هستيرية حاولت تبرر وهي بتصرخ: ـ ده... ده كڈب! ده صوت متركب بالذكاء الاصطناعي! بيكيدوا فيا!
ساعتها أنا طلعت بهدوء من المطبخ، وفي إيدي تابلت، وقفت قدامها وابتسمت ببرود أشد من برودها، وقلت بصوت هادئ وصل لكل الموجودين:
ـ مش ذكاء اصطناعي يا نجلاء... دي كاميرات المراقبة الصوتية اللي أنا ركبتها إمبارح في شقة أمي، ومتوصلة بموبايل جوزي وموبايل العيلة كلها. وحبيت أعرضهالك في "اللمّة العائلية" اللي طلبتيها، علشان الكل يشوف "التسالي" اللي إنتِ مديالها أمي!
حماتي (ماما) وقفت، وعيونها مدمعة من القهر، وبصت لنجلاء وقالت بصوت كله حزم وڠضب: ـ بقى أنا "تسالي" يا نجلاء؟ بقى اللي ربت جوزك وجوزك وأهل البيت كلهم، تقولي عليها كده علشان بتهربي من مسؤولية عيالك؟
الضړبة القاضية
عّم جوزي الكبير وقف، وخبط بعصايته على الأرض وقال بصوت مهيب: ـ العيش والملح اللي بينا انتهى يا نجلاء. ومن اللحظة دي، مفيش طفل من عيالك يخطب رجله شقة العيلة دي، ولا شقة طنط، ولا حتى هتشوفي وشنا تاني لحد ما تتعلمي يعني ايه احترام لكبيرة العيلة.
جوزي بص لها نظرة أخيرة خالية من أي مشاعر، وفتح لها باب الشقة وقال بصرامة: ـ اتفضلي يا نجلاء... ولمّي عيالك من عند أمي من بكرة، وشوفي بقى هترميهم فين تاني لما تتعودي تعتمدي على نفسك.
نجلاء خرجت من الشقة وهي پتبكي من قهرتها وفضيحتها، والكل كان بيبص لها بدون شفقة؛ لأنها دبرت لنفسها أكبر درس عمرها ما هتنساه طول عمرها، وراحت "اللمّة" اللي كانت فاكراها كسبتها، وهي خاسرة كل حاجة: احترامها، ومكادتها، وراحة بالها.