رواية جديدة
شاشة المراقبة وأنا مش قادر أرمش.
قربت الصورة.
كبرتها.
مرة.
واتنين.
وفجأة حسيت إن رجلي مش شايلاني.
مش عشان الست اختفت من الكاميرات...
لكن عشان الحاجة اللي ظهرت في وشها.
كان فيه علامة صغيرة فوق حاجبها اليمين.
علامة أنا أعرفها كويس جدًا.
علامة محفورة في ذاكرتي من سنين.
وقتها همست من غير ما أحس
مستحيل...
المسؤول بص لي باستغراب
حضرتك تعرف الست دي؟
ما قدرتش أرد.
لأن الصورة كانت قدامي بتقول حاجة عقلي كان رافض يصدقها.
رجعت البيت وأنا ساكت.
بنتي مريم كانت قاعدة على الأرض بتلون، ولما شافتني قالت
بابا... زعلت عشان مش مصدقني؟
قعدت جنبها.
وقلت
لا يا حبيبتي... أنا بس عايز أعرف مين الست دي.
ابتسمت وقالت بكل بساطة
هي طيبة.
سألتها
قالتلك اسمها؟
هزت رأسها.
قالتلي بس أنا عارفة إن باباكي بيدور عليكي.
الكلمة دي خبطت في قلبي.
لأنها نفس الجملة اللي سمعتها من شخص واحد فقط في حياتي.
طلعت الألبوم القديم.
فضلت أقلب في الصور.
لحد ما وصلت لصورة قديمة جدًا.
صورة من حوالي عشر سنين.
كانت ليا أنا وأختي الصغيرة سارة.
سارة اللي توفت في حاډث قبل ولادة مريم بسنة.
كانت أكتر إنسانة بتحب الأطفال.
وكانت دايمًا تقول
لو طفل ضايع، مستحيل أسيبه لوحده.
مسكت الصورة.
وقارنتها بصورة الست في الكاميرا.
نفس العينين.
نفس الابتسامة.
نفس العلامة فوق الحاجب.
لكن ده كان مستحيل...
لأن سارة ماټت.
تاني يوم قررت أبحث عن الحقيقة بعيدًا عن التخمين.
رجعت لمسؤول المعرض.
طلبت منه يراجع كل تسجيلات اليوم.
المرة دي لقينا حاجة ما كانتش ظاهرة في البداية.
قبل ظهور الست بدقائق...
كان فيه رجل كبير في السن واقف قريب من السور.
الرجل ده كان بيحط وردة صغيرة على الأرض.
سألناه عنه.
وبعد بحث، عرفنا إنه والد سارة.
اتصلت به فورًا.
ولما سمع وصف الست، سكت فترة طويلة.
ثم قال
إنت شفتها؟
قلبي وقف.
قلت
شفت مين؟
قال بصوت مكسور
سارة.
قابلته.
كان ماسك صندوق قديم.
طلّع منه جواب.
وقال
بعد ۏفاة بنتي، أنا كنت بحط حاجاتها في صندوق. وفي آخر يوم قبل ۏفاتها كتبت ورقة قالت فيها لو قابلت طفل خاېف أو تايه، ساعده مكاني.
ضحكت بحزن.
بس ده مش هيفسر اللي حصل.
هز رأسه.
لا... مش هيفسره.
وسكت.
ثم قال
لكن فيه حاجة لازم تعرفها.
طلع صورة أخرى.
كانت لسارة وهي لابسة بدلة الحماية المدنية.
اټصدمت.
سارة كانت في الإطفاء؟
قال
آه.
كانت متطوعة في فريق الإنقاذ المجتمعي.
وكانت بتحلم تدخل المجال رسميًا.
لكن قبل ما تحقق حلمها...
وسكت.
راحت.
بدأت أفهم.
يمكن مريم لم ترَ شخصًا من الماضي.
يمكن طفلة صغيرة كانت خائڤة، وظهر لها وجه شخص يشبه الطيبة التي كانت سارة تحملها.
لكن السؤال ظل موجودًا...
كيف ظهرت بنفس الملابس؟
وكيف التقطتها الكاميرا؟
بعد أيام، حصلت على إجابة مختلفة تمامًا.
اتصل بي مسؤول المعرض وقال
لقينا حاجة في السجلات.
ذهبت إليه.
أخرج ملفًا قديمًا.
وقال
في اليوم ده كان فيه متطوعة في المعرض من فريق الحماية المدنية.
فتحت الملف.
والاسم كان
سارة...
لكن تاريخ الميلاد مختلف.
ليست أختي.
كانت امرأة أخرى.
عرفنا بعدها الحقيقة.
كانت هناك سيدة تعمل في الحماية المدنية اسمها سارة أيضًا.
كانت تشبه أختي بشكل كبير جدًا.
هي التي كانت موجودة في المعرض.
هي التي رأت مريم تبكي.
وهي التي طمأنتها.
لكن بسبب زحمة المكان، لم يظهر اسمها في السجلات الرسمية بشكل واضح.
أما أنا...
فربطت بين
التشابه والذكرى، وظننت أن السر أكبر مما هو عليه.
قابلت السيدة.
كانت هادئة.
ولما حكت لها مريم عن الحلم، ابتسمت.
وقالت
الأطفال أحيانًا بيحسوا بالأمان قبل ما يفهموا السبب.
ثم نظرت لي وقالت
أنا بس عملت اللي أي حد لازم يعمله... ما ينفعش نسيب طفل خاېف لوحده.
رجعت البيت.
بصيت للصورة اللي علقتها مريم على التسريحة.
لأول مرة ما شوفتش فيها لغز.
شوفت إنسانة طيبة دخلت حياة بنتي لدقائق وتركت أثرًا عمره سنين.
قعدت جنب مريم.
سألتها
لسه فاكرة الست دي؟
ابتسمت.
آه.
هي قالتلي حاجة.
سألتها
قالتلك إيه؟
قالت
قالتلي إن بابا عمره ما هيسيبني.
حضنتها.
لأنها كانت الحقيقة الوحيدة اللي تهم.
ومن يومها، كل ما أشوف حد يساعد طفل ضايع، أفتكر الموقف ده.
أحيانًا إحنا بندور على المعجزات الكبيرة...
لكن الحقيقة إن أعظم الأشياء ممكن تكون مجرد إنسان قرر يكون رحيم في لحظة خوف.
والست اللي بنتي طلبت تتصور معاها؟
ما كانتش شبحًا.
ولا سرًا مخيفًا.
كانت مجرد إنسانة اختارت تعمل الصح.
لكن بالنسبة لبنت صغيرة كانت تايهة وخاېفة...
كانت هي الشخص اللي رجّع لها الأمان.
تمت.