رواية كامله

موقع أيام نيوز


وكل سطر كانت ملامحه بتتغير.
ليلى كتبت إنها اكتشفت قبل ۏفاتها إن مدير أعمال كمال، سامح، كان بيسرق ملايين من شركاته من سنين، وكان مزور مستندات، ومستني ۏفاة ليلى علشان يبقى كمال في أسوأ حالاته النفسية وما يلاحظش أي حاجة.
لكنها ما قدرتش تواجهه لأنها كانت عرفت بمرضها، وخاڤت لو قالت لكمال وقتها ينهار وهو بيحاول ينقذها.
عشان كده جمعت كل الأدلة في الفلاشة، وخبتها ورا الحجر الأزرق، لأنها كانت متأكدة إن محدش هيلاحظ نقصه غير لو رجع الحجر مكانه.
كمال فتح الفلاشة على اللابتوب الموجود في الأوضة.
كانت مليانة تسجيلات، وتحويلات بنكية، وعقود مزورة، وصور لكاميرات مراقبة.
كل حاجة كانت بتدين سامح.
في اللحظة دي، افتكر كمال حاجة غريبة.
من أسبوعين بس، سامح كان بيضغط عليه يبيع جزء كبير من الشركة بحجة الخسائر.
دلوقتي فهم ليه.
كان عايز يخفي السر قبل ما يتكشف.
في صباح اليوم التالي، استدعى كمال محاميه، وهيئة المراجعة المالية، والشرطة.
وساعات قليلة، كان سامح بيتقبض عليه قدام موظفي الشركة كلهم.
اتضح بعد التحقيقات إنه اختلس ثروة ضخمة على مدار سنوات، وكان مخطط يطرد عدد كبير من العاملين، ومنهم خديجة، بحجة تقليل المصروفات، علشان يخفي آثار سرقاته.
خديجة لما سمعت الكلام، دموعها نزلت.
كانت هي وجنى على بعد أيام من إنهم يبقوا في الشارع فعلًا.
كمال بصلها وقال بهدوء
لو بنتك ما دخلتش الأوضة دي... ولو ما لقتش الحجر... كان زماني خسړت كل حاجة.
مرت أيام، وكمال بدأ يخرج من عزلته لأول مرة من بعد ۏفاة ليلى.
رجع يلف في الشركة.
يسلم على الموظفين بنفسه.
يسأل عن أحوالهم.
ويعرف أسماء الناس اللي عمره ما كان يعرفها.
أما جنى...
بقت أول حد يزوره كل يوم.
كانت تدخل مكتبه من غير خوف، وترسم على ورقاته، وتقوله
إنت مبتعيطش النهارده؟
فيضحك ويقول
لا... علشان في ناس رجعت النور للبيت.
بعد شهور، جمع كمال كل الموظفين.
وقال قرار محدش كان متوقعه.
أعلن إنشاء صندوق دائم لتعليم أولاد العاملين بالكامل، من الحضانة لحد الجامعة.
وقال
الثروة اللي مبتغيرش حياة الناس... ملهاش قيمة.
ثم نادى على خديجة قدام الجميع.
قال لها
من النهارده إنتِ مش عاملة نظافة.
الجميع سكت.
وأضاف
إنتِ هتكوني مشرفة على إدارة الرعاية الاجتماعية للعاملين، لأن اللي عرف يربي بنت بالقلب ده... يقدر يرعى ناس كتير.
خديجة اڼفجرت في البكاء.
ماكنتش مصدقة اللي بيحصل.
أما جنى، فكانت مشغولة بحاجة تانية.
طلعت من شنطتها رسمة.
كانت رسمة لبيت كبير، وشمس، وتلاتة ماسكين إيد بعض.
ناولتها لكمال.
وقالت
دي عيلتك الجديدة... علشان محدش يقعد لوحده.
كمال مقدرش يمنع دموعه.
لكن المرة دي كانت دموع امتنان.
مرت خمس سنوات.
الشركة كبرت أكتر من الأول.
والمؤسسة الخيرية اللي أسسها كمال كانت بتعالج آلاف المرضى، وبتكفل تعليم مئات الأطفال كل سنة.
أما جنى، فبقت من أوائل مدرستها.
وكان كمال يعتبر نفسه مسؤولًا عنها، يساعدها في تعليمها، ويحضر حفلات المدرسة، ويشجعها في كل خطوة.
وفي يوم تخرجها من المرحلة الابتدائية، طلعت على المسرح تستلم جائزتها.
المذيع سألها
مين الشخص اللي حابة تشكريه؟
ابتسمت
وقالت
أنا هشكر ماما... لأنها علمتني إن اللي بيبكي لسه عنده حب في قلبه... وهشكر عمو كمال... لأنه علمني إن الحب الحقيقي هو إنك تساعد غيرك.
كان كمال واقف بين الحضور، وصفق وهو يبكي.
رفع عينيه للسماء وهمس
شكرًا يا ليلى... الرسالة وصلت... لكن على إيد طفلة صغيرة.
وفي المساء، رجع للفيلا.
وقف قدام المعلقة الزجاجية.
لمس الحجر الأزرق مكانه.
ابتسم لأول مرة من قلبه.
وفهم أن السر الحقيقي لم يكن في الحجر، ولا في الصندوق، ولا في الثروة...
السر الحقيقي كان أن كلمة صادقة من طفلة، في وقت انكسر فيه قلب رجل، كانت كافية لتعيد إليه إنسانيته، وتنقذ عائلة كاملة، وتحوّل المال من مجرد أرقام في البنوك إلى حياة جديدة لكل من احتاج إليها.
ومن يومها، بقي باب تلك الغرفة مفتوحًا دائمًا، لأن كمال أقسم ألا يعيش في الظلام مرة أخرى، وأن يجعل كل باب في بيته مفتوحًا للأمل، كما فتحته جنى ذات ليلة، وهي تحمل في يدها ألوانًا، وفي الأخرى قطعة بسكويت، وقلبًا صغيرًا غيّر مصير الجميع.
تمت.

 

تم نسخ الرابط