بنت الجانينى لسما سامح
ومن العربية الأولى نزل عقيد لابس الزي العسكري الرسمي، وماشي معاه مجموعة من الظباط والعساكر.
العقيد دخل القاعة من غير حتى ما يبص لأمير. مشي لحد ما وقف قدام الحاج متولي، وقف باحترام، وأدى له التحية العسكرية.
الحاج متولي عبدالسلام... أنا بقالي 13 سنة بدور عليك.
القاعة كلها سكتت، وسارة حست إن في حاجة كبيرة جدًا لسه هتحصل. وماكانتش قادرة تصدّق اللي هيحصل بعد اللحظة دي..
ساد صمت القپور في القاعة، لدرجة أن صوت التنفس كان مسموعاً. أمير وأمه تجمدت تعابير الغطرسة على وجوههم، بينما كانت عيون المعازيم تتنقل بذهول بين الجنايني البسيط وبين العقيد الذي يقف أمامه بانحناءة تقدير.
مسح الحاج متولي دموعه بطرف كمّه المتسخ، وقال بصوت مرتجف يا سيادة العقيد، حضرتك أكيد غلطان.. أنا متولي بتاع الجناين، جنايني فيلات التجمع.
رد العقيد بصوت جهوري هز أركان القاعة يا حاج متولي، أنت مش مجرد جنايني.. أنت البطل اللي أنقذ حياة لواء أركان حرب في عملية سرية على الحدود سنة 2012، لما كنت بتخدم في الجيش كمتطوع في سلاح المهندسين، ودفعت تمن إنقاذ حياة قادتك إصابة في ضهرك وتفتت في عضم الكتف.. يومها اختفيت عشان ما تحسسش حد إنك بطل، ورفضت أي تكريم، وقلت ده واجبي تجاه بلدي.
الټفت العقيد نحو أمير الذي تراجع للخلف، ثم أشار لرجاله أنا هنا النهاردة لأمرين.. الأول تكريم الدولة اللي اتأخر 13 سنة، والثاني عشان نكسر عين أي حد يفتكر إن الرجولة بتتقاس بالفلوس أو بالمظاهر.
هنا، تقدم العقيد خطوة نحو أمير، وقال ببرود مرعب أنت يا أستاذ أمير، اللي شفت إن الحاج متولي بيقص نجيلة.. أحب أبلغك إن هذا الرجل يمتلك في رصيده عند الدولة ما لا يملكه أمثالك من شركات ووجاهة كاذبة. وتطاولك عليه اليوم مش بس إهانة لشخص، ده إهانة لرمز من رموز العطاء اللي الدولة ما بتنساش ولادها.
ساد هرج ومرج. نهى الشاذلي حاولت تبرر الموقف بابتسامة صفراء، لكن العقيد قاطعها يا ست هانم، الڤضيحة الحقيقية هي الفراغ اللي جواكم، مش كفوف إيد راجل شقيان.
ثم الټفت العقيد لسارة، وقال بنبرة أبويّة يا بنتي، أبوكي ده تاج على راس أي حد. النهاردة الفرح ده مش هينتهي.. الفرح ده هيتحول لأكبر احتفالية شهدتها القاهرة كلها، ومش هنمشي غير لما نشوفك في بيتك، مكرمة ومنصورة.
النهاية
تحولت القاعة في لحظات إلى خلية نحل. لم يعد فرحاً شعبياً بسيطاً، بل تحول لحدث عام حضره كبار القادة والمسؤولين الذين كانوا يبحثون عن الحاج متولي منذ سنوات. المعازيم الذين همسوا في البداية ضد الحاج متولي، أصبحوا الآن يتسابقون لتقبيل يده، وأمير وأهله غادروا القاعة هاربين من نظرات الاحتقار التي لاحقتهم، ولم يجرؤوا على الظهور في التجمع الخامس بعدها.
سارة، التي ظنّت أنها خسړت كل شيء، وجدت نفسها في قلب زفة لم تشهد مثلها قاعات الأفراح الفاخرة، ليس لأنها باهظة، بل لأنها كانت محاطة بتقدير حقيقي.
الحاج متولي لم يتغير؛ ظل متواضعاً، لكنه في تلك الليلة، وقف بظهره المفرود لأول مرة منذ سنوات، ناظراً لابنته وهي تبتسم وسط الأضواء، موقناً أن العلبة الصاج التي حوّش فيها فكّته، اشترت له في النهاية احتراماً وكرامةً لا تقدر بكنوز الدنيا.
أما أمير، فقد طاردته لعڼة إهانته للحاج متولي في كل مفاصل حياته العملية والاجتماعية، ليدرك متأخراً أن الجنايني كان يملك قلباً وعزةً لا يمتلكها هو بماله وأصله.
الحياة أنصفت من زرع الطيبة، ليرى حصادها في أجمل ليلة في عمره.