الاهانه
الحلقة الأولى غرز الصوف ووصية الراحل
بدأت الحكاية قبل أربعة أشهر من ذلك اليوم المشؤوم. كنت أجلس في نفس هذا المطبخ، تحت نفس اللمبة التي تزنّ بنغمتها الرتيبة، وبيدي سياج من الخشب وصوف بلون الأوف وايت، دافئ وخشن بعض الشيء، لكنه الصوف الذي طالما عرفتُ كيف أطوعه. طوال حياتي، كنت أدير محلاً صغيراً للتفصيل والخياطة في حيّنا القديم. لم أكن أبيع براندات، ولم أكن أضع ملصقات براقة على الملابس، لكن كبار عائلات الحي كانوا يأتون إليّ لأنهم يعلمون أن خياطتي لا تفكّها السنون، وأنني أملك سر الخياطة المخفية، وهي تقنية قديمة تعلمتها من جدتي، تتيح للمرء أن يصنع جيباً أو فاصلاً بين طبقتين من القماش دون أن تظهر غرزة واحدة من الخارج، كأن القماش نبت هكذا من الأرض.
حين ټوفي زوجي عبد الرحمن قبل ثلاث سنوات، ترك في قلبي فراغاً لا يملؤه صخب الدنيا. كان عبد الرحمن رجلاً بسيطاً في مظهره، لكنه كان يملك حكمة ملوك وعزة نفس لا تنحني. قبل ۏفاته بأيام، حين كان المړض قد نهك جسده واستقر في عظامنا الخۏف من الفراق، استدعاني إلى فراشه. أخرج من تحت وسادته لفافة قماشية صغيرة، مربوطة بخيط من الحرير الأسود، وقال لي بصوت متحشرج ولكنه حاسم يا أمي كان يناديني هكذا تقديراً للامتنان الذي بيننا، هذا لأول حفيد يحمل اسمي. أنا أعلم أن ابني سليم قد تزوج امرأة تحب المظاهر، وأخشى أن تضيع أمانتي إن سُلّمت في ظرف أو وُضعت علناً وسط هدايا الناس. أريدكِ أن تصنعي لهدية الحفيد غلافاً من يدكِ، وتخفي هذه اللفافة في مكان لا يصل إليه إلا من يتأمل القطعة بحب، من يلمسها بحنان ويبحث عن دفئها، لا عن ثمنها. إن لم يجدوها بحبهم، فلن يستحقوها.
حين أعلن سليم أن زوجته نادين حامل، بدأت العمل فوراً. أربع شهور وأنا أحيك تلك البطانية. كنت أرسم المراكب الزرقاء الصغيرة بالخيط، مركبًا تلو الآخر، وأتخيل حفيدي الصغير وهو ينام تحتها، وتحت طبقتي الصوف، في الجيب المخفي الذي أتقنت صنعه، وضعت لفافة عبد الرحمن. لم أكن أعلم ما بداخلها تحديداً، فقد كانت وصية مغلقة، لكنني كنت أعلم قيمتها الروحية والمادية التي ادخرها زوجي طوال حياته من عرق جبينه وتجارته القديمة في العقارات والكتب النادرة.
الحلقة الثانية صالون المرايا الجوفاء
جاء اليوم الموعود. ارتديت أفضل ما عندي، ثوباً بسيطاً من الكريب الأسود، وتطيبت بماء الورد، وحملت البطانية بعد أن غلفتها بورق سولوفان بسيط وربطتها بشريط ستان أزرق. عندما دخلت شقة ابني في ذلك الحي الراقي، شعرت وكأنني دخلت متحفاً من الزجاج البارد. كل شيء كان يلمع، من الثريات الكريستالية إلى وجوه الحاضرين التي بدت وكأنها مصبوبة في قالب واحد من التصنع. كانت ريحة الكريمة والسكر، وحلوى الماكرون، والبالونات الوردية والزرقاء تملأ المكان.
كانت نادين تقف في وسط الصالون، محاطة بصديقاتها اللاتي يحملن هواتف ومستعدات لتوثيق كل ثانية لوسائل التواصل الاجتماعي. وحين جاء دوري، تقدمت بقلب ينبض بالحب، وسلمتها الهدية وقلت مبروك يا بنتي، دي بطانية عملتها بإيدي لحفيدي، كل غرزة فيها بدعوة ليه بالستر والصحة.
لم تبتسم نادين. نظرت إلى الكيس البسيط، ثم مدت يدها ومسكت البطانية بطرف صباعينها، كأنها تمسك ثعباناً أو قطعة قماش قڈرة. التفتت إلى صديقتها التي كانت تبث مباشرة على الإنترنت، وقالت بضحكة باردة كسرت قلبي شكراً يا طنط، بس إحنا هنا ما بنستخدمش غير الحاجات البراند. البيبي بشرته حساسة وما بيلبسش غير
ماركات عالمية.