رواية جديدة

موقع أيام نيوز


على رأسه، وبعدها رجعت البنت لجوه.
استغرب.
لو البنت عايشة في الجمعية... يبقى الفلوس كانت ليه؟
استنى لما ياسين مشي، ودخل الجمعية بنفسه.
استقبلته السيدة بابتسامة.
قال لها
أنا والد ياسين.
اختفت الابتسامة من وشها للحظة.
هو حصله حاجة؟
لا... أنا بس عايز أفهم.
قعدت قدامه، وسكتت شوية.
وقالت
ابنك وصانا محدش يعرف.
هشام اتنهد.
أنا لازم أعرف.
فتحت درج مكتبها، وطلعت ظرف صغير.
وقالت
ده بتاع ياسين.
فتح الظرف.
لقى إيصالات تبرعات صغيرة.
كل أسبوع...
مبلغ بسيط.
مرة خمسين جنيه.
مرة سبعين.
مرة مية.
كلها باسم شخص واحد...
فاعل خير صغير.
رفع عينه باستغراب.
السيدة قالت
ياسين من حوالي سنة جه هنا لأول مرة مع المدرسة في زيارة خيرية.
وقتها اتعرف على البنت دي.
اسمها مريم.
أبوها توفى، وأمها عندها فشل كلوي، وموجودة في المستشفى من شهور، ومريم بقت تعيش هنا مؤقتًا.
سكتت لحظة.
من يومها وهو بييجي كل أسبوع.
يقسم أكله معاها.
ويحوش من مصروفه عشان يجيبلها علاج لأمها أو كتب أو هدوم.
هشام حس إن قلبه بيتقبض.
قال
ليه مخبّي عليا؟
ابتسمت السيدة بحنان.
اسأله هو.
خرج هشام وهو تايه.
طول عمره كان فاكر إنه بيدي ابنه كل حاجة.
أفضل مدرسة.
أفضل هدوم.
أفضل عربية توصله.
لكن عمره ما سأل نفسه...
آخر مرة قعد مع ابنه واتكلم معاه كانت إمتى؟
في المساء...
رجع البيت.
ياسين دخل وهو متوتر.
أول ما شاف أبوه قاعد مستنيه، وشه اصفر.
قال پخوف
أنا... أنا هشرح.
هشام قال بهدوء
اقعد.
قعد ياسين، وعنيه في الأرض.
كنت بتكدب عليا ليه؟
سكت.
رد.
قال بصوت ضعيف
عشان كنت عارف إنك هتزعل.
ليه؟
بدأت دموعه تنزل.
أنا أول مرة روحت الجمعية مع المدرسة، مريم كانت قاعدة لوحدها.
كل الأطفال خرجوا، وهي فضلت تبص عليهم من الشباك.
سألتها ليه مبتلعبيش.
قالتلي إنها مستنية أمها ترجع.
بس أمها مكنتش بترجع.
بلع ريقه.
لما رجعت البيت يومها، لقيتك مسافر.
واليوم اللي بعده كنت في اجتماع.
وبعدين سافرت تاني.
فقلت يمكن فيه أطفال كتير مستنيين حد يرجع، ومحدش بيرجع.
هشام نزل برأسه.
أما ياسين فأكمل
بدأت أوفر من مصروفي.
كنت كل ما أطلب لعبة وأرجع أفكر، أقول لا... مريم أولى.
كنت كل ما أطلب سندوتش زيادة، أفتكر إنها ممكن تكون جعانة.
فبقيت أقسم أكلي.
ولما سألتني مرة المصروف بيخلص فين...
خفت.
لو قلت الحقيقة، كنت هتفتكر إني صغير ومش فاهم.
سكت.
وقال الجملة اللي كسرت قلب هشام
أنا مكنتش عايز فلوسك يا بابا...
كنت عايزك تيجي معايا مرة.
انهار هشام.
أول مرة في حياته يبكي قدام ابنه.
قام حضنه بقوة.
وقال وهو بيبكي
سامحني.
أنا كنت فاكر إن شغلي هو اللي بيأمن مستقبلك.
ونسيت إن وجودي هو اللي بيبني طفولتك.
في اليوم التالي...
راح هشام مع ياسين للجمعية.
مريم أول ما شافت ياسين جريت عليه.
لكنها وقفت لما شافت هشام.
ابتسم ونزل لمستواها.
ممكن نبقى أصحاب؟
هزت رأسها بخجل.
مد لها كيسًا فيه كتب جديدة وشنطة مدرسية.
لكن ياسين همس في أذن والده
هي مش محتاجة هدايا كتير.
هي محتاجة تحس إن في حد فاكرها.
ابتسم هشام.
وفهم الدرس.
بعد أسابيع قليلة، تواصل هشام مع المستشفى، وتكفل بعلاج والدة مريم بالكامل.
وبعد شهور من العلاج، بدأت حالتها تتحسن، حتى خرجت من المستشفى وهي أول مرة تضم بنتها بعد غياب طويل.
يومها كانت مريم پتبكي من الفرحة، وياسين واقف يضحك

 

وهو بيصفق.
أما هشام، فكان واقف بعيد، لكنه شعر أنه هو أيضًا استعاد شيئًا كان يظنه ضاع منه... علاقته بابنه.
مر عام.
قرر هشام يقلل ساعات شغله.
بقى يوصل ياسين المدرسة بنفسه مرتين في الأسبوع.
ويلعب معاه الكورة يوم الجمعة.
وبقت زيارة الجمعية عادة شهرية للعيلة كلها، مش مجرد سر بين طفل وقلبه.
وفي احتفال صغير داخل الجمعية، وقفت المديرة تشكر المتبرعين.
لكنها قالت
أكبر متبرع عندنا مش أغنى واحد...
أكبر متبرع هو أول طفل علمنا إن الرحمة مش بتتقاس بحجم الفلوس، لكن بحجم القلب.
وبصت ناحية ياسين.
الكل سقف.
أما هشام، فكان أول واحد واقف.
سقف وهو دموعه بتنزل في صمت.
لأنه أخيرًا فهم إن ابنه لم يكن يعيش حياةً أخرى بعيدًا عنه...
بل كان يعيش القيم التي تمنى كل أب أن يراها في ابنه، دون أن يدري أنه هو نفسه كان بحاجة ليتعلمها.
ومن يومها، لم يعد هشام يسأل ابنه كل مساء ذاكرت؟
بل أصبح يسأله سؤالًا واحدًا لا ينساه
عملت خير مع مين النهارده؟
فيبتسم ياسين ويقول
النهارده كان دوري... وبكرة يمكن يكون دورنا إحنا الاتنين.
وهكذا انتهت الحكاية، لا بسرٍّ جديد، ولا بمفاجأة أخرى، بل بأب استعاد ابنه، وطفلة استعادت أمها، وطفل أثبت أن أصغر القلوب قد تكون أكبر معلم للكبار.

تم نسخ الرابط