رواية كامله

موقع أيام نيوز

بأيدٍ صغيرة متلهّفة.
لم يكونوا يأكلون فحسب؛ كانوا يحتفلون بشيءٍ دافئ، حميميّ، نابض بالحياة داخل ذلك البيت الذي طال صمته.
ضحكت أوليفيا معهما، ومسحت الكريمة عن خدّ غريس، وربّتت على رأس نوح، تعاملُهما كما لو كانا طفلَيها.
امتلأت الغرفة بالحبّ، حبٍّ نقيّ بلا تكلّف، شيءٌ كان ماثيو قد حرم بيته منه دون أن يشعر طوال سنوات.
وقف متجمّدًا، الدموع تُغشي بصره، متأثّرًا لا بالكعكة، بل بالحقيقة التي تتكشّف أمامه.
هذه المرأة التي بالكاد كان يلحظ وجودها، منحت أطفاله ما حرمهم هو منه طويلًا شعور العائلة والانتماء.
اشتدّ الشعور بالذنب في صدره. فبينما كان يبني مستقبلهم، كان قد تخلّى عن حاضرهم، وخلط بين الإعالة والأبوّة.
تذكّر زوجته الراحلة، إليانور، التي كانت تقول دائمًا إنّ الأطفال يحتاجون إلى الحضور أكثر من الهدايا، وهي حكمة تجاهلها وهو غارق في حزنه.
بعد ۏفاتها، ډفن نفسه في العمل، ظانًّا أنّ النجاح سيحميه من الألم ومن الأسئلة التي لا إجابة لها.
بقي واقفًا عند الباب، يسمح لتلك اللحظة أن تنفذ عميقًا إلى روحه، قبل أن يتقدّم أخيرًا.
وحين فعل، فاجأهم حضوره. استقامت أوليفيا بتوتّر، والټفت الطفلان إليه بملامح فضول.
ارتجف صوت ماثيو وهو ينطق كلمةً واحدة، مثقلة بالمعنى والندم
شكرًا.
اندفع نوح وغريس نحوه فورًا، يتحدّثان معًا، بينما ركع وضمّهما إلى صدره.
انهمرت دموعه بلا حرج، وللمرّة الأولى منذ سنوات، رأى الطفلان أباهما يبكي.
لم يشعروا بالخۏف، بل ازدادوا قربًا منه، إذ أحسّوا بالصدق والهشاشة في المكان الذي كان يسكنه البعد.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر ماثيو. صار يخصّص وقتًا للّعب، وللاستماع، ولمجرّد أن يكون حاضرًا في حياتهما.
طلب من أوليفيا أن تعلّمه الطقوس التي صنعتها الطهو معًا، قصص ما قبل النوم، وأمسيات هادئة في الحديقة.
تحوّل البيت، وصار دافئًا، صاخبًا، حيًّا، لا يعود فيه الصدى للفراغ، بل للحظاتٍ مشتركة.
وبدأ ماثيو يفهم أوليفيا حقًّا، مكتشفًا تحت هدوئها وقارها صلابةً وقوّة.
وفي إحدى أمسيات الحديقة الهادئة، حين كانت الشمس تميل ببطء نحو الغروب، جلست أوليفيا على المقعد الخشبي، وحدّقت طويلًا في الأشجار كأنّها تستجمع شجاعةً قديمة. ثم بدأت تروي قصّة ابنها الراحل. لم يكن صوتها مكسورًا، بل ثابتًا يحمل ألمًا نضج مع الزمن. حدّثته عن طفلٍ كان يضحك كثيرًا، وعن أحلامٍ صغيرة انطفأت فجأة في حادثٍ لم يُنذر بشيء. كان ماثيو يستمع في صمت، لا يقاطع، لا يبحث عن كلماتٍ مناسبة، بل يترك قلبه يصغي. في تلك اللحظة، لم يكن رجل أعمال ناجحًا، بل إنسانًا يتعلّم كيف يُنصت للألم دون أن يهرب منه.
أدرك حينها أنّ المرأة الجالسة أمامه لم تكن تمنح أطفاله مجرّد رعايةٍ يوميّة، بل كانت تمنحهم حبّ أمّ حقيقي، حبًّا خرج من قلبٍ مجروح، صقله الفقد، وعمّقه التعاطف. كانت تعرف معنى الخسارة، ولذلك كانت تعرف أيضًا كيف تحمي ما تبقّى من البراءة، وكيف الطفولة دون
تم نسخ الرابط