رواية جديدة
أقل من دقيقة، سمع صوت عربية شرطة بتقف تحت العمارة، وبعدها خطوات ناس طالعة بسرعة.
اختفى كل صوت في السلم.
ولما فتح الضباط الباب بعد التأكد من المكان، لقوا مصطفى مرمي على الأرض مصابًا في كتفه من أثر الارتطام بالباب، لكنه كان واعيًا.
أما الأشخاص اللي كانوا بيطاردوه...
فهربوا قبل وصول الشرطة.
في القسم، بدأ كل واحد يحكي روايته.
مصطفى انهار واعترف بكل حاجة.
قال إن خديجة بعد ما أنهت علاقتها بمحمود، خدت نسخة من مفتاح عربيته كانت معاها من أيام خطوبتهم.
هي ومصطفى فتحوا العربية علشان ياخدوا شنطة لابتوب كانوا فاكرين إن فيها فلوس ومستندات تخص شغل محمود.
لكنهم لقوا حقيبة معدنية صغيرة مخبأة تحت أرضية الشنطة.
فتحوا الحقيبة.
وكان جواها فلاشة، وأوراق، وساعة يد قديمة.
ما فهموش قيمتها.
فرموا الأوراق في العربية، وأخذوا الفلاشة والساعة.
بعد ساعات...
بدأت مكالمات من أرقام مجهولة.
وبعدين عربية سوداء فضلت ماشية وراهم في كل مكان.
عرفوا وقتها إنهم أخدوا حاجة مش بتاعت محمود أصلًا.
استغرب الضابط.
وسأل محمود
الحقيبة دي وصلت لعربيتك إزاي؟
فضل محمود ساكت ثواني.
ثم افتكر.
قبل أسبوع، كان زميله في الشغل، المحاسب الكبير عادل، راكب معاه.
ونزل مستعجل جدًا بعدما طلب منه يوصلّه.
ويومها نسي حقيبته.
لكن محمود كان مسافر في اليوم التالي، وقرر يكلمه بعد ما يرجع.
إلا إن عادل...
اختفى بعدها بيومين.
وهنا بدأت الصورة تكتمل.
فتحت النيابة الحقيبة بعد استعادتها.
كانت الفلاشة تحتوي على ملفات تثبت شبكة كبيرة لتزوير العقود وغسل الأموال، والساعة القديمة لم تكن ثمينة بسبب الذهب...
بل لأنها كانت مخبأ بداخلها شريحة ذاكرة صغيرة تحتوي على نسخ احتياطية من المستندات.
أما عادل...
فاتضح أنه كان ينوي تسليم كل الأدلة للجهات المختصة، لكنه اختفى قبل أن يتمكن من ذلك.
الشبكة الإجرامية كانت تبحث عن الحقيبة منذ أيام، وعندما عرف أفرادها أن الحقيبة كانت في سيارة محمود، اعتقدوا أنه شريك لعادل.
ولما سرق مصطفى وخديجة السيارة وفتحا الحقيبة...
انتقلت المطاردة إليهما.
ألقت الشرطة القبض على أفراد الشبكة خلال أسابيع، بعد تحليل الملفات والاستعانة بالأدلة الموجودة.
واستُعيدت حقوق عشرات الأشخاص الذين تعرضوا للاحتيال.
أما عادل...
فعُثر عليه محتجزًا في أحد المخازن، وتم إنقاذه قبل فوات الأوان، وأكد في التحقيقات أن محمود لم يكن يعلم شيئًا عما تركه في السيارة.
بعد انتهاء القضية، خرج مصطفى من الحبس الاحتياطي بعدما حوسب على دوره في سړقة السيارة، واعترف بكل شيء.
ذهب إلى محمود.
وقف أمامه مطأطئ الرأس.
وقال
أنا خسرتك كصاحب قبل ما أخسر نفسي.
نظر إليه محمود طويلًا.
ثم قال
الخېانة مش غلطة لحظة... الخېانة قرار.
لم ېصرخ.
ولم يهينه.
أغلق الباب بهدوء.
وعرف الاثنان أن الصداقة التي استمرت خمسة عشر عامًا انتهت في ليلة واحدة.
أما خديجة...
فاكتشفت أن الشخص الذي ظنت أنه أقوى من محمود، لم يستطع حتى أن يحمي نفسه.
خسړت علاقتها، وخسړت سمعتها، واضطرت أن تبدأ حياتها من جديد بعيدًا عن كل الدائرة التي كانت تعيش فيها.
وفي رسالة أخيرة أرسلتها إلى محمود كتبت
أنا استاهلت كل اللي حصلي.
قرأ الرسالة.
ثم حذفها.
من
غير رد.
مرت سنتان.
عاد محمود إلى حياته الطبيعية.
أسس شركة صغيرة للاستشارات التقنية، ونجحت مع الوقت.
وفي أحد الأيام، كان واقفًا في جراج الشركة الجديدة، يتأمل سيارته.
اقترب منه الضابط الذي أشرف على القضية، وربت على كتفه وقال
عارف إيه أغرب حاجة في اللي حصل؟
ابتسم محمود.
إيه؟
قال الضابط
إن خېانة واحدة كشفت شبكة فساد كاملة.
ابتسم محمود بهدوء.
ورد
يمكن ربنا أحيانًا بيكسر قلبك... علشان ينقذك من طريق كان هيضيع عمرك كله.
ركب عربيته.
شغل المحرك.
ولما خرج من الجراج، لمح في المرآة للحظة نفس السيارة القديمة التي كانت سبب كل الکابوس.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
ثم أكمل طريقه من غير ما يبص وراه.
لأنه أخيرًا فهم أن بعض الناس يخرجون من حياتك بالخېانة، لكنهم يتركون وراءهم درسًا لا يُنسى.
وأن أغلى شيء لم يكن السيارة، ولا الحقيبة، ولا المستندات...
أغلى شيء كان راحة البال، واختيار من يستحق أن يكون بجانبك.
وهكذا انتهت الحكاية، بعدما انكشفت الحقيقة، ونال كل شخص نتيجة أفعاله، وبدأ محمود صفحة جديدة، أكثر حكمة، وأكثر هدوءًا، بعيدًا عن الخېانة والخۏف، وقريبًا من الحياة التي يستحقها.