رواية كامله

موقع أيام نيوز

المطر كان نازل ب غل على شوارع الإسكندرية لدرجة إن البلد كلها كانت بتتمسح من الوجود.. الساعة إحدى عشرة وأربعين دقيقة ب الليل، في يوم تلات ساقع، كانت شهد المنياوي واقفة وراء الفاترينة الازاز بتاعة سوبر ماركت صغير في محطة الرمل.. مأ حيلتهاش في الدنيا غير أربعة وعشرين چنيه ونصف في جيبها، وورقة طرد واهتزاز من صاحب الشقة متشالة في شنطتها، ومأ عندهاش ذنب ولا فكرة إن الزبون اللي هيخطي الباب حالا هيسحلها ويدخلها في نوع من الخۏف والمرار الناس مأ بتتكلمش عنه غير في الضلمة وبعد نص الليل!
كشافات النيون فوق رأسها كانت بتهز وتزن، ومخلية الممرات باهتة وفاضية.. علب التونة والشوربة مرصوصة ب عوجان.. ومكنة القهوة بتبخ في الركن ب الزهق.. ومن وراء باب المكتب، كان صاحب المحل عم جلال نايم على الكرسي وبيموت في شخيره وباقي سندوتش حواوشي على صدره.. شهد مكنتش متغاظة منه، بالعكس، كانت بتدعي ربنا يفضل نايم.. ده معناه إن محدش هيسألها أنتِ واقفة على رجلك من الساعة ثمانية الصبح ليه، ولا حد هيجعر فيها ويقولها اضحكي في وش الزبائن اللي بيمشوا كأنهم مش شايفينك.. ولا حد هيقعد يذلها ويقولها لو غبتي نمرة ثانية هتلاقي نفسك في الشارع!
في سن الثلاثة وعشرين، شهد كانت حاسة ب كبر وعجز أكتر من الستات الأكابر اللي بيدخلوا المحل ب غوايش الذهب وهدوم الشتاء الغالية.. أبوها ماټ الشتاء اللي فات بعد جلطة سابت وراها ديون مستشفيات، ومصاريف دُفن، وسكوت ثقيل جوة شقتها لدرجة إنه بقا بيلقط النفس معاها ب الليل.. باعت تليفونه.. وبعدين عدته وشغله.. وبعدين السلسلة الذهب الصغيرة اللي أمها سابتهالها قبل ما تطفش وتختفي من حياتها من خمسة عشر سنة بالعدد.. حالا مأ حيلتهاش غير الشقة والۏجع، وعادة إنها تقول أنا تمام والحمد لله وهي بټموت من جوة!
جرس الباب الصغير صړخ ب التعب.. شوية هوا ومطر ساقع هبوا جوة المحل.. شهد رفعت عينها.. الراجل اللي دخل مكنش لايق على المكان واصل.. ده كان أول خاطر في نفوخها.. مش لأنه غني وأكابر بس، ده حتى وهو مبلول ب المطر، كان باين عليه العز والتقل.. بالطو الصوف الأسود الغالي كان كابس على كتافه العريضة.. شعره الأسود مبلول ونازل على وش كأنه منحوت من صخر مش بني آدم مولود.. كان بيمشي ب الحساب والبطء، إيده مسبتة على جنبه، وبؤه مقفول ب الكتمة من كتر الۏجع.. لأ، الجدع ده مكنش شبه المكان واصل، لأن الهوا والجو اتغيروا أول ما خطى رجله.. المحل بقا ضيق.. وسكت فجأة كأن كل لمبة بتهز، وكل ثلاجة، وكل رَف عرفوه وخافوا منه!
إيد شهد جرت ب الساكت تحت الفاترينة ناحية زرار الإنذار اللي عم جلال قالها مأ تلمسهوش

تم نسخ الرابط