رواية كامله
المحتويات
دي مراتي.
وش أمي احمر.
وقالت
يعني بتقف ضد أمك؟
قلت وأنا دموعي نازلة
أنا واقف مع الحق.
لأول مرة في حياتي...
أمي سابت البيت وهي زعلانة مني.
ولأول مرة في حياتي...
حسيت إن السكوت اللي سكتّه يوم القلم كان ثمنه أكبر بكتير من أي خلاف.
لكن وأنا لسه بحاول أتكلم مع منى...
رن تليفونها.
بصت في الشاشة، واتغير لون وشها فجأة.
ردت بسرعة.
فضلت ساكتة تسمع.
ثم قالت بقلق شديد
إزاي؟!... طب إحنا جايين حالًا.
قفلت المكالمة.
وشها كان شاحب.
قمت مڤزوع وقلت
في إيه؟
بصتلي وقالت بصوت مرتعش
المستشفى اتصلت... فيه حاجة تخص بنتنا... ولازم نروح دلوقتي.
وتحركنا كلنا بسرعة...
من غير ما حد فينا يعرف إن اللي مستنينا هناك هيكون اختبار جديد... هيحدد إذا كان بيتنا لسه له فرصة يتجمع... أو هيتفرق للأبد خرجنا كلنا على المستشفى في صمت.
أنا كنت سايق، ومنى قاعدة ورا ماسكة بنتنا في حضنها، وحماتي جنبها.
ولا كلمة واحدة اتقالت طول الطريق.
أول ما وصلنا، جريت على الاستقبال.
قلت بلهفة إحنا أهل الطفلة ليان... اتصلوا بينا.
الممرضة بصت في الكمبيوتر، وبعدين قالت الدكتور مستنيكم.
قلبي وقع.
دخلنا المكتب.
الدكتور ابتسم أول ما شافنا وقال متقلقوش... الحمد لله الطفلة كويسة.
كلنا اتنفسنا.
قلت بانفعال أمال اتصلتوا بينا ليه؟
قال إحنا راجعنا ملف الولادة، ولاحظنا إن الأم خرجت من المستشفى وهي كانت محتاجة مراجعة بعد 48 ساعة بسبب بداية احتقان شديد، لكن المتابعة ما حصلتش.
بصيت لمنى.
قالت بهدوء أنا كنت تعبانة... ومقدرتش أنزل.
الدكتور كمل الحمد لله عدت على خير، لكن لازم نهتم بصحتها دلوقتي، لأن الأم لو تعبت مش هتعرف ترعى البيبي.
الكلام كان بسيط...
لكن حسيت إنه بيتقال ليا أنا.
خرجنا من عند الدكتور.
وقفت قدام منى في ممر المستشفى.
ولأول مرة من يوم الجواز...
وطيت راسي.
وقلت
أنا آسف.
آسف إني خذلتك.
وآسف إني مقدرتش أحميكي.
وآسف إنك اتوجعتي وأنا واقف.
منى فضلت ساكتة.
ثواني طويلة.
بعدين قالت
الاعتذار محترم.
بس الثقة مش بترجع بكلمة.
هزيت راسي.
عارف.
وأنا مستعد أستنى مهما طال الوقت.
في اللحظة دي...
تليفوني رن.
لقيت أمي.
رديت.
أول ما سمعت صوتي قالت بعصبية
إنت فين؟
قلت في المستشفى.
قالت سيبك منهم وتعالى خدني أرجع البلد.
سكت شوية.
وبعدين قلت لأول مرة في حياتي
معلش يا أمي... مقدرش.
سكتت هي المرة دي.
قلت بهدوء
أنا مسؤول عن مراتي وبنتي.
ولحد ما أطمن عليهم... مش هسيبهم.
قفلت المكالمة.
ولما رفعت عيني...
لقيت منى باصة لي.
مش نفس النظرة الباردة اللي شفتها قبل كده.
كان فيها استغراب...
كأنها لأول مرة شايفة أحمد اللي كانت فاكرة إنها اتجوزته.
لكنها لسه مقالتش أي حاجة...
ولسه القرار الحقيقي اللي هيغير مصير بيتنا كله... كان في إيدها وحدها خرجنا من المستشفى، وأنا مشيت جنب منى بهدوء.
مديت إيدي أشيل البنت.
بصتلي ثواني... وبعدين سلمتهالي.
كانت أول مرة تثق فيا من يوم ما سابت البيت.
حضنت بنتي، وحسيت إن الحمل اللي على كتفي أكبر من أي وقت فات.
وصلنا بيت حماتي.
وقفت عند الباب وقلت
ممكن أدخل؟
منى ردت بهدوء
اتفضل.
قعدنا في الصالة.
ولا حد فينا بيتكلم.
بعد شوية قالت
أنا عايزة أسألك سؤال واحد.
قلت
اتفضلي.
قالت
لو بنتنا كبرت... واتجوزت... وحماتها ضړبتها بالقلم قدام جوزها... وجوزها قالها استحملي عشان دي أمي... هتنصح بنتك تعمل إيه؟
السؤال نزل عليا كالصاعقة.
فضلت ساكت.
مش لاقي إجابة.
لأن أي إجابة غير الحقيقة كانت هتبقى كدب.
نزلت برأسي وقلت
هقولها ترجع بيت أبوها.
منى قالت
وليه؟
قلت وأنا دموعي بتنزل
لأن جوزها وقتها ما بقاش سند.
هزت رأسها في هدوء.
وقالت
وده اللي أنا عملته.
سكتنا.
بعد لحظات، دخلت حماتي بكوباية شاي وحطتها قدامي.
وقالت
أنا عمري ما كنت عايزة أخرب بيت بنتي.
بس كنت مستنية أشوف إمتى هتعرف غلطك من غير ما حد يقولك.
بصيت لها وقلت
أنا غلطت.
وغلط كبير.
ولو الزمن رجع... كنت هقف قدام أي حد يهين مراتي... حتى لو كانت أمي.
في اللحظة دي...
منى قامت من مكانها.
دخلت الأوضة.
رجعت بعد دقيقة وهي ماسكة شنطة صغيرة.
قلبي وقع.
افتكرت إنها هتمشي.
لكنها حطت الشنطة قدامي وقالت
دي هدومي اللي كنت سايباها في شقتنا.
هاتها معاك.
استغربت.
قلت
يعني...؟
قالت
أنا هرجع.
قلبي دق بسرعة.
لكنها رفعت إيدها وقالت
استنى... لسه مخلصتش.
هرجع... بشرط.
قلت بسرعة
أي شرط.
قالت وهي باصة في عيني
من النهارده... محدش يعيش معانا غير إحنا وبنتنا.
وأي زيارة من أي حد... تبقى باحترام.
ولو في يوم واحد بس... حد مد إيده عليا أو أهانني، وسكت... هخرج ومش هرجع تاني.
بلعت ريقي.
وقلت من غير تردد
موافق.
قالت
وفي شرط تاني.
أول ما نرجع... هتروح بنفسك لأمك.
وهتقولها إن اللي عملته كان غلط.
ولو هي زعلت منك... هتستحمل زعلها... زي ما أنا استحملت ۏجعي.
سكت لحظة...
ثم قلت
هعمل كده.
ابتسمت ابتسامة خفيفة لأول مرة من يوم الولادة.
لكنها قالت جملة خلتني أعرف
إن الطريق لسه طويل
الچرح لما يخف... بيفضل له أثر.
وأنا ممكن أسامح... لكن عمري ما هنسى.
وساعتها فهمت إن البيوت مش بتهدها المشاكل...
اللي بيهدمها إن واحد من أهلها يسكت وقت ما كان لازم يتكلم عدى يومين.
كنت بروح كل يوم بعد الشغل أقعد ساعة مع منى وبنتنا في بيت حماتي.
ولا مرة ضغطت عليها ترجع.
ولا مرة فتحت موضوع الصلح.
كنت بس أغير الحفاضة، أشيل البنت، وأساعدها في أي حاجة تحتاجها.
لأول مرة في حياتي...
حسيت يعني إيه أب بجد.
في تالت يوم، نفذت الشرط الأصعب.
ركبت العربية وروحت لأمي في البلد.
أول ما فتحتلي الباب، حضنتني.
وقالت وهي مبتسمة
عرفت إنك فوقت أخيرًا وسيبت دلع النسوان.
بصيت في الأرض.
قلت
يا أمي... أنا جاي أتكلم معاكي.
قعدنا.
ولأول مرة في حياتي...
أنا اللي بدأت الكلام.
قلت
إنتِ غلطتي لما ضړبتي منى.
ابتسامتها اختفت.
إيه؟
كررت بهدوء
اللي حصل كان غلط.
قالت بعصبية
يعني مراتك غسلت دماغك.
قلت
لأ.
ضميري هو اللي صحي.
قامت من مكانها.
وقالت
أنا أمك.
قلت
وعمري ما هبطل أكون ابنك.
لكن ده ميخلكيش تمدي إيدك على مراتي.
قالت وهي بتخبط بإيدها على الترابيزة
يعني هتجبرني أعتذر؟
قلت
لا.
الاعتذار ما ينفعش بالإجبار.
لكن لو مش شايفة إنك غلطانة... يبقى منى مش هتعرف ترجع وهي مطمنة.
أمي فضلت ساكتة.
أول مرة أشوفها مش لاقية كلام.
خرجت من عندها وأنا قلبي واجعني.
حسيت إني خسړت أمي.
لكن كان لازم أعمل الصح ولو متأخر.
...
بعد أسبوع...
منى وافقت ترجع الشقة.
قبل ما تدخل، وقفت على الباب.
بصت حواليها.
وقالت
في حاجة ناقصة.
استغربت.
قالت
أوضة الضيوف.
قلت
مالها؟
قالت
دي كانت أوضة طنط.
هزيت رأسي.
قلت
من النهارده هتبقى أوضة ليان.
ابتسمت لأول مرة ابتسامة حقيقية.
دخلنا.
بدأنا ننضف الشقة سوا.
وأثناء ما كنا بنرتب الدولاب...
لقيت طبق الشوربة.
نفس الطبق.
كان محطوط في آخر الرف.
بصيت له.
ومنى كمان بصت له.
ولا واحد فينا اتكلم.
مديت إيدي.
وشلته.
ورميته في صندوق الكراتين القديمة.
قلت بهدوء
مش كل حاجة تتصلح.
في حاجات لازم تتشال من البيت... عشان نعرف نبدأ من جديد.
منى بصتلي...
لكن قبل ما ترد...
سمعنا جرس الباب.
بصيت في العين السحرية.
واتجمدت.
لأن اللي كانت واقفة برا...
أمي.
وشها كان باين عليه التعب.
وفي إيديها شنطة صغيرة...
والأغرب من ده كله...
إنها كانت واقفة لوحدها، ومن غير ما تخبط تاني، كانت باصة في الأرض... كأنها جاية تعمل حاجة عمرها ما عملتها قبل كده بصيت لمنى.
هي كمان كانت شايفة أمي من العين السحرية.
ولا اتكلمت.
ولا قالت افتح.
ولا قالت لأ.
قالت كلمة واحدة
القرار قرارك.
وقفت ثواني.
وبعدين فتحت الباب.
أمي دخلت بخطوات بطيئة، أول مرة أشوفها ماشية كأنها مترددة.
كانت شايلة شنطة قماش صغيرة.
حطتها على الأرض.
وبصت لمنى.
فضلت ساكتة.
الدقيقة عدت كأنها ساعة.
أنا كنت مستني أي حاجة...
عتاب...
خناق...
حتى كلمة قاسېة.
لكن اللي حصل كان غير كده.
أمي مدت إيدها جوه الشنطة.
طلعت منها علبة صغيرة.
وقالت بصوت مبحوح
دي... السلسلة الدهب اللي أمك جابتهالك في الصباحية.
استغربت.
منى كمان استغربت.
أمي كملت
كنت واخداها وأنا ماشية... وأنا زعلانة.
قلت في نفسي... دي هتبقى عندي لحد ما تعرف قيمتي.
وسكتت.
ثم نزلت بعينيها للأرض.
بس طول الأسبوع... كل ما أبص لها... أحس إنها بتوجعني.
مدت العلبة لمنى.
اتفضلي.
منى أخدتها في هدوء.
من غير ما تفتحها.
أمي أخدت نفسًا طويلًا.
وقالت
أنا طول عمري فاكرة إن الشدة هي اللي بتربي.
وأمي كانت بتضربني.
وأمها كانت بتضربها.
وكنت فاكرة إن
متابعة القراءة