رواية جديدة
المحتويات
غريبة على طفلتين في مثل عمرهما.
تقدمتا خطوتين، وتوقفتا بثبات، تنظران حولهما دون خوف، وكأن المكان كله لا يملك القدرة على التأثير فيهما.
ثم نزلتُ أنا.
لم يكن نزولي مجرد خروج من سيارة بل كان دخولًا إلى ساحةٍ انتظرت هذه اللحظة فيها سنوات طويلة. وضعت قدمي على الأرض بثقة، واستقمت ببطء، تاركة لهيئتي أن تتحدث قبل كلماتي. كان فستاني الأسود الطويل ينسدل بانسيابية راقية، بسيط في خطوطه، لكنه يحمل فخامة لا تحتاج إلى استعراض. قطعة صُممت بعناية في إحدى دور الأزياء الرفيعة في باريس، لا يلفت الانتباه بالصخب، بل بالهيبة.
على عنقي، استقر عقد من الزمرد، تتراقص أحجاره مع ضوء الشمس، فيعكس ومضات خضراء نابضة، كأنها تروي قصة صمتٍ طويل تحوّل إلى قوة.
أما وجهي فلم يكن مجرد ملامح جميلة، بل كان يحمل ما هو أثقل حضور امرأة عرفت السقوط، وعادت لتقف أعلى مما كانت تتخيل.
أمسكت بيدَي طفلتيّ، وانطلقت بهدوء نحو مدخل الحفل، تحيط بي حلقة من الحراس ببدلاتهم السوداء، يتحركون بانضباط صامت، كأنهم جزء من المشهد، لا يسرقون الانتباه، بل يعززون الهيبة.
في تلك اللحظة خيّم صمت ثقيل على المكان بأكمله.
الأصوات اختفت. الضحكات التي كانت تملأ المكان قبل دقائق انقطعت فجأة. حتى النسيم الذي كان يحرّك الزينة الخفيفة بدا وكأنه توقف.
الوجوه التي كانت تنتظر السخرية مني تجمدت.
العيون التي كانت تبحث عن مشهد إهانتي امتلأت بالذهول.
ماركو لم يعد قادرًا على التنفس بشكل طبيعي.
تمتم بصوت مرتجف، بالكاد خرج من بين شفتيه ك كلارا؟
اختفى اللون من وجهه، وكأن الډم انسحب منه دفعة واحدة. عيناه اتسعتا بشكلٍ غير طبيعي، تتنقلان بيني وبين الطفلتين، كأن عقله يرفض تصديق ما تراه عيناه.
أما ڤاليري، فقد تشبثت بباقة الزهور بين يديها حتى كادت تسحقها، وصړخت بصوتٍ مرتفع يحمل خليطًا من الڠضب والخۏف ماركو! من هذه؟! ومن هاتان الطفلتان؟!
لم أجب فورًا.
تابعت السير ببطء، حتى وصلت إلى منتصف الممر، في نقطةٍ تجعل كل كلمة أقولها تصل إلى الجميع دون أن أرفع صوتي.
توقفت.
رفعت رأسي قليلًا، ونظرت إلى ماركو من أعلى إلى أسفل نظرة واحدة فقط، لكنها كانت كفيلة بأن تُعيده خمس سنوات إلى الوراء، إلى تلك اللحظة التي ظنّ فيها أنه انتهى مني.
قال متلعثمًا، وهو يحاول التماسك ماذا يعني هذا؟ من أين لكِ كل هذا؟ وهذه السيارة وهاتان الطفلتان هل هما؟
لم يكمل.
حاول أن يتقدم نحونا، خطوة واحدة فقط لكن حارسين من مرافقيّ تحركا فورًا، ووقفا أمامه، دون عڼف، لكن بحزمٍ لا يقبل النقاش.
رفعت يدي قليلًا، إشارةً كافية ليبقيا في مكانهما.
ثم قلت، بصوتٍ هادئ لكنه بارد كالجليد لا تقترب منهما يا ماركو.
تجمّد.
تابعت ليس لك أي حق في لمسهما لقد اخترت يومًا أن تتخلى عنا مقابل المال.
انكمش صوته وهو يهمس كلارا أنا
قاطعته ڤاليري، وقد بدأت تفقد أعصابها أي
متابعة القراءة