القصة التي أثبتت أن الشفاء لا يُقاس بالأرباح
المحتويات
يصدق ولم يكن فعلا سحريا خرج عن حدود العلم والعقل. لم تهبط السماء بشيء استثنائي ولم تكسر قوانين الكون في تلك الحديقة الهادئة.
كان ما جرى أدق وأعقد من ذلك بكثير.
كان صدمة عصبية دقيقة من ذلك النوع الذي لا يظهر في صور الأشعة ولا يلتقطه الفحص السريع ولا يفهمه من يبحث عن النتائج السريعة.
نوعا من العمى الناتج عن صدمة نفسية عميقة حين يتعرض الإنسان لألم يفوق قدرته على الاحتمال فيقرر الدماغ بدافع غريزي أن يطفئ بعض مساراته الحسية حماية لصاحبه كأنه يقول إن الرؤية في هذه اللحظة أقسى من أن تحتمل.
ومع مرور الوقت ومع محفز غير متوقع ومع شعور مختلف لم يكن محسوبا في التقارير الطبية بدأ ذلك الدماغ نفسه يعيد ربط المسارات التي انقطعت.
ليس دفعة واحدة ولا بثقة كاملة بل ببطء شديد وبحذر بالغ كما لو أنه يتعلم السير من جديد بعد سقوط طويل يختبر الأرض خطوة خطوة ويتراجع أحيانا ثم يتقدم.
كان الأمر أشبه بحوار صامت بين الجسد والنفس حوار لم تدركه الأجهزة لكن نتائجه بدأت تظهر شيئا فشيئا.
همس أحد الأطباء بدهشة صادقة وهو يراجع النتائج المتغيرة وقد بدت عليه الحيرة أكثر من الفرح
أحيانا الإيمان يحرك ما تعجز عنه الطبابة. لا لأنه بديل عنها ولا لأنه يناقضها بل لأنه يفتح بابا داخليا لم نكن نراه بابا لا تقاس مفاتيحه بالأرقام.
لم يكن التحسن سريعا ولم يكن سهلا ولم يكن مستقيم الخط.
لم يكن كاملا ولم يكن خاليا من التراجع والخۏف والانتكاسات الصغيرة.
لكن خلال الأسابيع التالية بدأ بصر إيزابيلا يعود تدريجيا كما يعود الضوء قبل الفجر خجولا مترددا غير واثق من نفسه.
في البداية لم تكن ترى سوى أطياف باهتة
مساحات رمادية بلا حدود
ثم ظلالا تتحرك دون ملامح
أشكالا بلا أسماء
ثم خطوطا غير مكتملة
وألوانا خجولة لا تجرؤ على البقاء طويلا.
كانت الصورة تهرب منها كما تهرب الذكريات المؤلمة.
تظهر للحظة ثم تتلاشى ثم تعود بشكل مختلف.
لم يعد بصرها كاملا كما كان من قبل.
ولم تعد الحركة سهلة ولا الجسد مطيعا.
لكنه كان كافيا.
كافيا لترى ملامح أبيها حين يجلس إلى جوارها لساعات دون أن يتكلم.
كافيا لتفرق بين ابتسامته حين يحاول أن يكون قويا وقلقه حين يظن
أنها لا تراه.
كافيا لتدرك للمرة الأولى منذ الحاډث أنها لم تعد وحدها في العتمة وأن الظلام لم يعد مطلقا كما كان.
في تلك اللحظة بالذات لم تبك إيزابيلا.
بل أغمضت عينيها طويلا كأنها تخشى أن تفقد ما عاد إليها إن حاولت الإمساك به بقوة.
وعند تلك اللحظة فقط أدرك فيكتور الحقيقة الأخيرة التي ظل يتجاهلها سنوات طويلة حقيقة لم تكتب في أي تقرير ولم تناقش في أي اجتماع مجلس إدارة.
قبل سنوات وبقرار إداري بارد لا يحمل أي أثر إنساني كانت شركته قد أوقفت تمويل برنامج صغير لإعادة التأهيل
متابعة القراءة