رواية جديدة
أم أن الله أخيرا سمع دعاءها.
لم تنم سيلينا تلك الليلة إلا قليلا. ظل صوت المطر العالق في ذاكرتها يمتزج بسعال أمها المتقطع وبصورة يد ممتدة تعرض مستقبلا لم تتعلم كيف تثق به. قبل الفجر بقليل نهضت أعدت قهوة خفيفة وبدلت ضماد أمها بعناية ثم جلست قرب السرير تمسك يدها حتى هدأ تنفسها. حين أشرقت الشمس كانت قد اتخذت قرارها ستذهب. لا لأن العرض مغر فحسب بل لأنها رأت في عيني رايموندوخلف البرودحاجة حقيقية لما لا يستطيع شراؤه.
وصلت إلى برج هويرتا قبل الثامنة بدقائق. كان الردهة فسيحة يلمع الرخام فيها كمرآة ويعكس وجوها سريعة لا ترفع رؤوسها. استقبلتها نورا بابتسامة مدروسة وقدمت لها بطاقة تعريف مؤقتة. لم تعلق على ملابس سيلينا البسيطة لكنها لاحظت كل تفصيل.
قادتها نورا إلى قاعة اجتماعات في الطابق التاسع والثلاثين. كان المديرون قد اصطفوا حول طاولة سوداء طويلة شاشات كبيرة تعرض مخططات وأرقاما. دخل رايموندو أخيرا وتوقف الحديث فجأة.
هذه سيلينا كارديناس قال بلا مقدمات ستكون جزءا من الفريق ابتداء من اليوم.
ارتفعت حواجب وتبادلت نظرات سريعة. أحدهم رجل خمسيني بنظارة رفيعة قال بنبرة مهذبة تخفي اعتراضا واضحا
وبأي صفة سيدي
صفة تقول لي الحقيقة أجاب رايموندو حين تخذلنا الأرقام.
جلس الجميع. بدأت العروض. تحدثوا عن مشروع مصنع جديد للأجهزة الذكية في أطراف المدينة كلفة أقل سرعة أعلى. كانت الرسوم البيانية أنيقة والوعود براقة. وحين انتهوا نظر رايموندو إلى سيلينا.
رأيك
ترددت لحظة ثم تنفست بعمق.
إن بنيتم المصنع هناك ستقطعون الماء عن حيين مجاورين قالت بهدوء وستضاعفون المرور في شارع واحد ضيق. الناس هناك يعملون ليلا ونهارا. سيخسرون ساعاتهم وأعصابهم. وربما وظائفهم. هذه ليست تكلفة جانبية هذه حياة.
ساد الصمت. تحرك الرجل ذو النظارة في مقعده.
هذه أمور تعالج لاحقا بالمسؤولية الاجتماعية.
هزت سيلينا رأسها.
المسؤولية ليست ملصقا نضعه بعد الضرر. إن أردتم المشروع فغيروا الموقع أو استثمروا في البنية التحتية أولا. وإلا فأنتم تدفعون ثمنا لن يظهر في ميزانيتكم لكنه سيظهر في الشارع.
نظر رايموندو حول الطاولة.
سمعتم. أعيدوا الدراسة.
بعد الاجتماع اقتربت نورا من سيلينا في الممر.
لم يتجرأ أحد على مقاطعته بهذا الشكل منذ سنوات قالت بنبرة تجمع الإعجاب والحذر انتبهي. بعضهم لن يحبك.
لا أبحث عن الحب أجابت سيلينا أبحث عن النوم ليلا دون ندم.
في الأيام التالية تغير الإيقاع. رافقت سيلينا فرقا ميدانية زارت مصانع جلست مع عمال استمعت قبل أن تتكلم. كانت تعود إلى المكتب بملفات مليئة بملاحظات مكتوبة بخط يدها. في كل مرة كان رايموندو يقرأ يسأل ويغير قرارات.
وذات مساء طلب منها الدخول إلى مكتبه بعد انصراف الجميع. كانت المدينة تحت قدميهما بحرا من الأضواء.
دانيال يسأل عنك قال فجأة.
ابتسمت سيلينا دون قصد.
كيف حاله
أفضل. بدأ العلاج الفيزيائي يثمر. صمت لحظة لم أشكره كما يجب لأنني لم أعرف كيف.
نظرت إليه.
قل له الحقيقة. الأطفال يفهمون أكثر مما نعتقد.
أومأ ثم قال بصوت أقل حدة
كنت أظن أن القوة هي أن تختبر العالم وتنجو. تعلمت منك أن القوة أحيانا هي أن تمد يدك.
مرت أشهر. سددت ديون سيلينا تحسنت صحة أمها وتحول دورها في الشركة إلى منصب رسمي له فريق وصلاحيات. تغيرت مشاريع وتغيرت نبرة. لم تختف المقاومة لكنها خفت. لأن النتائج كانت واضحة.
وفي ليلة ممطرة أخرىأقل قسوةمر رايموندو بالمقهى القديم. كان مغلقا. وقف لحظة تحت المظلة وتذكر كيف بدأت القصة بطفل يرتجف وامرأة لم تغلق الباب.
أخرج هاتفه وكتب رسالة قصيرة
شكرا لأنك لم تتجاهلي.
وصلته الإجابة بعد دقيقة
الشكر لمن يتعلم.
ابتسم.
في الأسبوع التالي بدأ اسم سيلينا