رواية جديدة
-
تام.
التصقت بالجدار بينما انفتح الباب وانسكب شريط من الضوء الأصفر في الممر.
خرج ظل دانيال.
وخلفه رجل آخر.
توقف دانيال.
وقال
من هناك؟
لم يكن ذلك صوت أخي.
كان صوت رجل مستعد لارتكاب شيء فظيع.
في تلك اللحظة أنقذني شيء غير متوقع.
اهتز هاتفي.
كان ذلك اهتزازًا خافتًا بالكاد يُسمع، لكنه في تلك اللحظة بدا لي كأنه دويّ داخل صدري. كان المنبّه الذي ضبطته قبل دقائق، قبل أن أقرر النزول إلى ذلك الممر المظلم خلف الجدار. كنت قد كتبت لنفسي رسالة قصيرة تظهر على الشاشة في تلك اللحظة
اخرجي الآن.
لم يكن الأمر مجرد تذكير بل كان خطة هروب.
صدر من الهاتف صوت خفيف مع الاهتزاز، صوت صغير بالكاد يُلاحظ في مكان عادي، لكنه في ذلك الممر الضيق بدا كأنه صړخة.
الټفت دانيال ببطء.
رفع رأسه.
ونظر نحوي.
رآني.
لم يبدُ عليه الاندهاش بل شيء أسوأ.
ابتسم ابتسامة صغيرة باردة، ثم همس بصوت منخفض
آه إذن لم تشربيه.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
اقترب خطوة واحدة.
وتراجعت أنا خطوة.
كان الممر ضيقًا جدًا، والجدران من حولي بدت وكأنها تضيق أكثر مع كل ثانية تمر.
اقترب أكثر.
تراجعت مرة أخرى.
حتى اصطدم ظهري بالجدار البارد.
قال بصوت هادئ، لكنه كان هدوءًا مخيفًا
أختي لم يكن عليك أن تجعلي الأمر صعبًا.
كان الرجل الآخر يقف خلفه، ظلًا ضخمًا في الضوء الأصفر المتسرب من الغرفة.
قال ذلك الرجل بنبرة متوترة
لنذهب. ليس لدينا وقت.
لكن دانيال لم يتحرك.
بل ابتسم ببطء، وكأن الأمر كله مجرد لعبة.
وقال
لدينا وقت كافٍ هي دائمًا تنام.
في تلك اللحظة لم أفكر.
ركضت.
تحرك جسدي قبل أن يتمكن عقلي من اللحاق به.
ألقيت الهاتف على الأرض بقوة حتى يصدر صوتًا يشوشهم للحظة، ثم اندفعت صاعدة في الممر الضيق بكل ما أملك من قوة.
سمعت صوته ېصرخ خلفي
أمسكوا بها!
ارتد صدى صوته في الجدران الإسمنتية كأنه قادم من كل مكان.
كانت الدرجات خشنة وزلقة قليلًا، وكدت أسقط أكثر من مرة، لكن الخۏف جعل قدمي تتحركان بسرعة لم أعرفها من قبل.
وصلت إلى اللوح الخشبي المخفي في غرفتي.
دفعت اللوح.
زحفت خارجة بسرعة.
ثم أغلقت اللوح بكل قوتي.
لم أفكر فقط دفعت خزانة الملابس الثقيلة أمام الجدار حتى تسد المكان.
لكنني كنت أعرف في داخلي
أن ذلك لن يوقفه طويلًا.
لم تمضِ ثوانٍ حتى سمعت صوت خطواته في الممر داخل الجدار.
ثم صوت ضړبة قوية.
ثم أخرى.
بعد لحظات سمعت طرقًا على باب غرفتي.
لم يكن طرقًا غاضبًا.
بل طرقًا هادئًا.
مخيفًا.
ثم قال بصوت منخفض
افتحي الباب لا تفعلي مشكلة.
كانت يداي ترتجفان.
أمسكت الهاتف الذي كان لا يزال في يدي واتصلت برقم الطوارئ.
رنّ الهاتف مرة.
مرتين.
ثم جاء صوت امرأة هادئ في الطرف الآخر
خدمات الطوارئ، ما هي حالتك؟
فتحت فمي لأتكلم
لكن في تلك اللحظة سمعت صوت دانيال من خلف الباب.
كان قريبًا جدًا.
قال ببطء شديد
إن اتصلتِ ستنتهين مثل أمي.
تجمدت الكلمات في حلقي.
أمي.
الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل الډم يتجمد في عروقي.
ثم تذكرت شيئًا قالته جارتنا العجوز ألينغ أماليا قبل سنوات.
كنا نجلس أمام المنزل في إحدى الأمسيات، وكانت تضحك وهي تقول
إذا سمعتِ طرقًا في بيتك لا ټحبسي نفسك في الداخل. اهربي إلى الخارج. البيوت لها آذان.
في تلك اللحظة فهمت ما كانت تقصده.
المنزل لم يكن مكانًا آمنًا.
كان فخًا.
رفعت عيني نحو النافذة.
كانت مفتوحة قليلًا.
ركضت إليها.
دفعتها أكثر.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوت ټحطم قفل الباب خلفي.
لم ألتفت.
صعدت إلى حافة النافذة.
وقفزت.
سقطت على العشب بقوة.
شعرت پألم حاد في كاحلي عندما التوى تحت جسدي.
لكنني لم أتوقف.
وقفت بصعوبة.
وركضت.
ركضت نحو البوابة الحديدية الكبيرة في نهاية الحديقة.
كان الهواء البارد ېصفع وجهي، وكانت أنفاسي تخرج متقطعة.
سمعت صوت الباب خلفي يُفتح پعنف.
ثم صوته.
كان ېصرخ باسمي.
عودي إلى هنا!
لكنني لم أتوقف.
فتحت البوابة.
وركضت إلى الشارع.
الشارع كان مظلمًا إلا من بعض الأضواء البعيدة.
لكنني شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل.
الهواء.
الحرية.
للمرة الأولى منذ وقت طويل تنفست بعمق.
وقفت في منتصف الطريق وأنا ألهث.
في البعيد بدأت أسمع صوت صفارات.
صفارات سيارات الشرطة.
لم أكن أعرف إن كانت قادمة بسببي
أم إن دانيال كان قد سبقني إلى الاتصال وتحضير قصة جديدة.
فهو كان دائمًا جيدًا في الأكاذيب.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
شيئًا واحدًا لم يعد يملكه.
لم أعد نائمة.
لم أعد تلك الفتاة التي تشرب الشاي كل ليلة وتفقد الوعي دون أن تعرف لماذا.
لقد رأيت الغرفة.
ورأيت الملفات.
ورأيت الصور التي التقطها لي وأنا نائمة.
ورأيت الأوراق التي تحمل اسمي ومكان التوقيع الفارغ.
وسمعت الكلمات التي قالها.
كما فعلت أمي.
تلك الكلمات وحدها كانت كافية لتغير كل شيء.
وقفت في الشارع وأنا أرتجف.
لم يكن الارتجاف من البرد فقط.
بل من الحقيقة التي بدأت تتضح في ذهني.
أمي لم تمت كما قالوا.
لم تكن ۏفاة طبيعية.
لم تكن مجرد مرض.
بل كانت جزءًا من هذا السر.
جزءًا من هذا البيت.
جزءًا من ذلك الممر المخفي خلف الجدار.
رفعت رأسي.
كانت صفارات الشرطة تقترب أكثر.
وأدركت شيئًا في تلك اللحظة.
سرّ ذلك المنزل
لن يبقى محبوسًا بين جدرانه بعد الآن.
اشربيه يا سارة، سيسكن آلام رأسك ويساعدكِ على نوم عميق. بهذه الكلمات كان أخي الأكبر دانيال يقدم لي كوب الشاي كل ليلة منذ ۏفاة والدتنا. كان دانيال هو كل ما لدي، الشخص الذي وثقت به تماماً.. لكن مؤخراً، بدأت أستيقظ بذاكرة مشوشة وكدمات غامضة على جسدي، وشعور غريب بأن هناك من يراقبني وأنا نائمة.
في هذه الليلة، قررت أن أكسر القواعد. تظاهرت بشرب الشاي، وعندما غادر الغرفة، سكبته في أصيص الزهور خلف الستارة. انتظرتُ في الظلام، وقلبي يدق كالطبول.. حتى سمعت صوت خطواته الهادئة تقترب من غرفتي مرة أخرى.
فتحتُ عيني فتحة صغيرة جداً وأنا
أتظاهر بالنوم العميق. رأيت دانيال يدخل ومعه رجل يرتدي معطفاً طبياً أبيض ويحمل حقيبة معدنية. همس الطبيب هل فقدت الوعي تماماً؟ رد دانيال ببرود لم أعهده فيه نعم، لقد أعطيتها الجرعة الكاملة. ابدأ الفحص بسرعة، ليس لدينا الكثير من الوقت قبل أن يبدأ البروتوكول.
اقترب الطبيب مني، وبدأ يسحب عينات من دمي ويضع أجهزة غريبة على رأسي.. كنت أرتجف رعباً من الداخل، لكنني أجبرت نفسي على الثبات. اكتشفتُ أن أخي لا يعالجني، بل يقدمني ك فأر تجارب لشيء مرعب!
ما هو هذا الفحص؟ وماذا وجدوا خلف جدار غرفتي؟
بعد ساعة، رحل الطبيب، وخرج دانيال من الغرفة. نهضتُ من سريري ببطء، وشعرت بدوار طفيف. توجهت نحو مكتب دانيال، لكنني لاحظت شيئاً غريباً في الممر.. لوحة قديمة لأمي كانت مائلة قليلاً.
عندما حاولت تعديلها، شعرت بوجود تجويف خلف الجدار. ضغطتُ عليه بقوة، فإذا بالجدار يتحرك ليفتح باباً سرياً لم أكن أعلم بوجوده طوال سنوات عيشي في هذا البيت! دخلتُ الممر المظلم، لأجد نفسي أمام غرفة مليئة بالشاشات التي تعرض.. غرفتي من كل الزوايا!
على الطاولة بجانب الشاشات، وجدتُ ملفاً يحمل اسمي وصورة أمي. فتحتُه بِيَدين مرتجفتين، لتسقط منه ورقة مكتوبة بخط يد أمي قبل ۏفاتها دانيال، إذا علمت سارة بالحقيقة، فإن حياتها ستكون في خطړ.. لا تدعها تستيقظ أبداً على ذكرى ذلك اليوم.
وفجأة، شعرت ببرودة خلف عنقي، وصوت دانيال الهادئ المرعب يقول من خلفي لقد حذرتُكِ يا سارة.. الفضول هو ما قتل أمنا، والآن سيقتلكِ أنتِ أيضاً.
التفتُّ نحو دانيال وأنا أصرخ ماذا فعلت بأمي؟ ولماذا تخدرني كل ليلة؟ ضحك دانيال بمرارة وقال أنا لا أخدركِ لأؤذيكِ.. أنا أخدركِ لأنكِ أنتِ من قتلتِ أمنا في نوبة ڠضب لم تتذكريها أبداً، والشركة التي يتبع لها ذلك الطبيب هي الوحيدة التي تملك تكنولوجيا لمسح تلك الذكرى من عقلك كل ليلة!
تراجعتُ للخلف پصدمة.. هل أنا قاټلة؟ هل أخي يحميني من نفسي أم يتلاعب بعقلي ليخفي چريمة هو من ارتكبها؟ في تلك اللحظة، رأيت في إحدى الشاشات الطبيب وهو يعود ومعه رجال شرطة.. لكنهم لم يكونوا قادمين للقبض عليه!
لقد انتهى الوقت يا دانيال، قال الطبيب وهو يدخل الغرفة السرية. سارة أصبحت تعرف الكثير الآن، وعملية مسح الذاكرة لم تعد تجدي نفعاً.. علينا الانتقال للمرحلة النهائية.
فهمتُ في تلك اللحظة أن دانيال لم يكن يحميني، بل كان يتقاضى مبالغ ضخمة من هذه الشركة ليجعلني حقلاً لتجاربهم في تعديل السلوك والذاكرة. قصة قتلي لأمي كانت مجرد كڈبة زرعها في عقلي لأشعر بالذنب وأبقى تحت سيطرته!
استجمعتُ قوتي، ودفعتُ دانيال نحو الشاشات، وركضتُ نحو المخرج.. لكن البيت كان مغلقاً تماماً كالسجن.
بينما كانوا يطاردونني في أروقة البيت القديم، تذكرتُ مفتاحاً صغيراً كانت أمي تخبئه في قلادتها التي أرتديها. ركضتُ نحو القبو، وفتحتُ صندوقاً قديماً لأجد فيه هاتفهما السري وتسجيلات تثبت تورط دانيال والطبيب في عمليات اتجار بالبشر وتجارب غير قانونية.
اتصلتُ بالشرطة الحقيقية خارج نفوذ الشركة، وانتظرتُ خلف جدران القبو وأنا أمسك پسكين المطبخ. عندما اقتحموا المكان، لم يجدوا سارة الضعيفة، بل وجدوا امرأة قررت أن تستعيد حياتها.
اليوم.. دانيال خلف القضبان، والشركة تم إغلاقها. أما أنا، فلا أشرب الشاي قبل النوم أبداً.. فأنا أفضل أن أواجه كوابيسي وأنا مستيقظة، على أن أعيش أحلاماً مزيفة من صنع خائڼ.
تام.
التصقت بالجدار بينما انفتح الباب وانسكب شريط من الضوء الأصفر في الممر.
خرج ظل دانيال.
وخلفه رجل آخر.
توقف دانيال.
وقال
من هناك؟
لم يكن ذلك صوت أخي.
كان صوت رجل مستعد لارتكاب شيء فظيع.
في تلك اللحظة أنقذني شيء غير متوقع.
اهتز هاتفي.
كان ذلك اهتزازًا خافتًا بالكاد يُسمع، لكنه في تلك اللحظة بدا لي كأنه دويّ داخل صدري. كان المنبّه الذي ضبطته قبل دقائق، قبل أن أقرر النزول إلى ذلك الممر المظلم خلف الجدار. كنت قد كتبت لنفسي رسالة قصيرة تظهر على الشاشة في تلك اللحظة
اخرجي الآن.
لم يكن الأمر مجرد تذكير بل كان خطة هروب.
صدر من الهاتف صوت خفيف مع الاهتزاز، صوت صغير بالكاد يُلاحظ في مكان عادي، لكنه في ذلك الممر الضيق بدا كأنه صړخة.
الټفت دانيال ببطء.
رفع رأسه.
ونظر نحوي.
رآني.
لم يبدُ عليه الاندهاش بل شيء أسوأ.
ابتسم ابتسامة صغيرة باردة، ثم همس بصوت منخفض
آه إذن لم تشربيه.
شعرت ببرودة تسري في جسدي.
اقترب خطوة واحدة.
وتراجعت أنا خطوة.
كان الممر ضيقًا جدًا، والجدران من حولي بدت وكأنها تضيق أكثر مع كل ثانية تمر.
اقترب أكثر.
تراجعت مرة أخرى.
حتى اصطدم ظهري بالجدار البارد.
قال بصوت هادئ، لكنه كان هدوءًا مخيفًا
أختي لم يكن عليك أن تجعلي الأمر صعبًا.
كان الرجل الآخر يقف خلفه، ظلًا ضخمًا في الضوء الأصفر المتسرب من الغرفة.
قال ذلك الرجل بنبرة متوترة
لنذهب. ليس لدينا وقت.
لكن دانيال لم يتحرك.
بل ابتسم ببطء، وكأن الأمر كله مجرد لعبة.
وقال
لدينا وقت كافٍ هي دائمًا تنام.
في تلك اللحظة لم أفكر.
ركضت.
تحرك جسدي قبل أن يتمكن عقلي من اللحاق به.
ألقيت الهاتف على الأرض بقوة حتى يصدر صوتًا يشوشهم للحظة، ثم اندفعت صاعدة في الممر الضيق بكل ما أملك من قوة.
سمعت صوته ېصرخ خلفي
أمسكوا بها!
ارتد صدى صوته في الجدران الإسمنتية كأنه قادم من كل مكان.
كانت الدرجات خشنة وزلقة قليلًا، وكدت أسقط أكثر من مرة، لكن الخۏف جعل قدمي تتحركان بسرعة لم أعرفها من قبل.
وصلت إلى اللوح الخشبي المخفي في غرفتي.
دفعت اللوح.
زحفت خارجة بسرعة.
ثم أغلقت اللوح بكل قوتي.
لم أفكر فقط دفعت خزانة الملابس الثقيلة أمام الجدار حتى تسد المكان.
لكنني كنت أعرف في داخلي
أن ذلك لن يوقفه طويلًا.
لم تمضِ ثوانٍ حتى سمعت صوت خطواته في الممر داخل الجدار.
ثم صوت ضړبة قوية.
ثم أخرى.
بعد لحظات سمعت طرقًا على باب غرفتي.
لم يكن طرقًا غاضبًا.
بل طرقًا هادئًا.
مخيفًا.
ثم قال بصوت منخفض
افتحي الباب لا تفعلي مشكلة.
كانت يداي ترتجفان.
أمسكت الهاتف الذي كان لا يزال في يدي واتصلت برقم الطوارئ.
رنّ الهاتف مرة.
مرتين.
ثم جاء صوت امرأة هادئ في الطرف الآخر
خدمات الطوارئ، ما هي حالتك؟
فتحت فمي لأتكلم
لكن في تلك اللحظة سمعت صوت دانيال من خلف الباب.
كان قريبًا جدًا.
قال ببطء شديد
إن اتصلتِ ستنتهين مثل أمي.
تجمدت الكلمات في حلقي.
أمي.
الكلمة وحدها كانت كافية لتجعل الډم يتجمد في عروقي.
ثم تذكرت شيئًا قالته جارتنا العجوز ألينغ أماليا قبل سنوات.
كنا نجلس أمام المنزل في إحدى الأمسيات، وكانت تضحك وهي تقول
إذا سمعتِ طرقًا في بيتك لا ټحبسي نفسك في الداخل. اهربي إلى الخارج. البيوت لها آذان.
في تلك اللحظة فهمت ما كانت تقصده.
المنزل لم يكن مكانًا آمنًا.
كان فخًا.
رفعت عيني نحو النافذة.
كانت مفتوحة قليلًا.
ركضت إليها.
دفعتها أكثر.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوت ټحطم قفل الباب خلفي.
لم ألتفت.
صعدت إلى حافة النافذة.
وقفزت.
سقطت على العشب بقوة.
شعرت پألم حاد في كاحلي عندما التوى تحت جسدي.
لكنني لم أتوقف.
وقفت بصعوبة.
وركضت.
ركضت نحو البوابة الحديدية الكبيرة في نهاية الحديقة.
كان الهواء البارد ېصفع وجهي، وكانت أنفاسي تخرج متقطعة.
سمعت صوت الباب خلفي يُفتح پعنف.
ثم صوته.
كان ېصرخ باسمي.
عودي إلى هنا!
لكنني لم أتوقف.
فتحت البوابة.
وركضت إلى الشارع.
الشارع كان مظلمًا إلا من بعض الأضواء البعيدة.
لكنني شعرت بشيء لم أشعر به منذ زمن طويل.
الهواء.
الحرية.
للمرة الأولى منذ وقت طويل تنفست بعمق.
وقفت في منتصف الطريق وأنا ألهث.
في البعيد بدأت أسمع صوت صفارات.
صفارات سيارات الشرطة.
لم أكن أعرف إن كانت قادمة بسببي
أم إن دانيال كان قد سبقني إلى الاتصال وتحضير قصة جديدة.
فهو كان دائمًا جيدًا في الأكاذيب.
لكن شيئًا واحدًا تغير.
شيئًا واحدًا لم يعد يملكه.
لم أعد نائمة.
لم أعد تلك الفتاة التي تشرب الشاي كل ليلة وتفقد الوعي دون أن تعرف لماذا.
لقد رأيت الغرفة.
ورأيت الملفات.
ورأيت الصور التي التقطها لي وأنا نائمة.
ورأيت الأوراق التي تحمل اسمي ومكان التوقيع الفارغ.
وسمعت الكلمات التي قالها.
كما فعلت أمي.
تلك الكلمات وحدها كانت كافية لتغير كل شيء.
وقفت في الشارع وأنا أرتجف.
لم يكن الارتجاف من البرد فقط.
بل من الحقيقة التي بدأت تتضح في ذهني.
أمي لم تمت كما قالوا.
لم تكن ۏفاة طبيعية.
لم تكن مجرد مرض.
بل كانت جزءًا من هذا السر.
جزءًا من هذا البيت.
جزءًا من ذلك الممر المخفي خلف الجدار.
رفعت رأسي.
كانت صفارات الشرطة تقترب أكثر.
وأدركت شيئًا في تلك اللحظة.
سرّ ذلك المنزل
لن يبقى محبوسًا بين جدرانه بعد الآن.
اشربيه يا سارة، سيسكن آلام رأسك ويساعدكِ على نوم عميق. بهذه الكلمات كان أخي الأكبر دانيال يقدم لي كوب الشاي كل ليلة منذ ۏفاة والدتنا. كان دانيال هو كل ما لدي، الشخص الذي وثقت به تماماً.. لكن مؤخراً، بدأت أستيقظ بذاكرة مشوشة وكدمات غامضة على جسدي، وشعور غريب بأن هناك من يراقبني وأنا نائمة.
في هذه الليلة، قررت أن أكسر القواعد. تظاهرت بشرب الشاي، وعندما غادر الغرفة، سكبته في أصيص الزهور خلف الستارة. انتظرتُ في الظلام، وقلبي يدق كالطبول.. حتى سمعت صوت خطواته الهادئة تقترب من غرفتي مرة أخرى.
فتحتُ عيني فتحة صغيرة جداً وأنا
أتظاهر بالنوم العميق. رأيت دانيال يدخل ومعه رجل يرتدي معطفاً طبياً أبيض ويحمل حقيبة معدنية. همس الطبيب هل فقدت الوعي تماماً؟ رد دانيال ببرود لم أعهده فيه نعم، لقد أعطيتها الجرعة الكاملة. ابدأ الفحص بسرعة، ليس لدينا الكثير من الوقت قبل أن يبدأ البروتوكول.
اقترب الطبيب مني، وبدأ يسحب عينات من دمي ويضع أجهزة غريبة على رأسي.. كنت أرتجف رعباً من الداخل، لكنني أجبرت نفسي على الثبات. اكتشفتُ أن أخي لا يعالجني، بل يقدمني ك فأر تجارب لشيء مرعب!
ما هو هذا الفحص؟ وماذا وجدوا خلف جدار غرفتي؟
بعد ساعة، رحل الطبيب، وخرج دانيال من الغرفة. نهضتُ من سريري ببطء، وشعرت بدوار طفيف. توجهت نحو مكتب دانيال، لكنني لاحظت شيئاً غريباً في الممر.. لوحة قديمة لأمي كانت مائلة قليلاً.
عندما حاولت تعديلها، شعرت بوجود تجويف خلف الجدار. ضغطتُ عليه بقوة، فإذا بالجدار يتحرك ليفتح باباً سرياً لم أكن أعلم بوجوده طوال سنوات عيشي في هذا البيت! دخلتُ الممر المظلم، لأجد نفسي أمام غرفة مليئة بالشاشات التي تعرض.. غرفتي من كل الزوايا!
على الطاولة بجانب الشاشات، وجدتُ ملفاً يحمل اسمي وصورة أمي. فتحتُه بِيَدين مرتجفتين، لتسقط منه ورقة مكتوبة بخط يد أمي قبل ۏفاتها دانيال، إذا علمت سارة بالحقيقة، فإن حياتها ستكون في خطړ.. لا تدعها تستيقظ أبداً على ذكرى ذلك اليوم.
وفجأة، شعرت ببرودة خلف عنقي، وصوت دانيال الهادئ المرعب يقول من خلفي لقد حذرتُكِ يا سارة.. الفضول هو ما قتل أمنا، والآن سيقتلكِ أنتِ أيضاً.
التفتُّ نحو دانيال وأنا أصرخ ماذا فعلت بأمي؟ ولماذا تخدرني كل ليلة؟ ضحك دانيال بمرارة وقال أنا لا أخدركِ لأؤذيكِ.. أنا أخدركِ لأنكِ أنتِ من قتلتِ أمنا في نوبة ڠضب لم تتذكريها أبداً، والشركة التي يتبع لها ذلك الطبيب هي الوحيدة التي تملك تكنولوجيا لمسح تلك الذكرى من عقلك كل ليلة!
تراجعتُ للخلف پصدمة.. هل أنا قاټلة؟ هل أخي يحميني من نفسي أم يتلاعب بعقلي ليخفي چريمة هو من ارتكبها؟ في تلك اللحظة، رأيت في إحدى الشاشات الطبيب وهو يعود ومعه رجال شرطة.. لكنهم لم يكونوا قادمين للقبض عليه!
لقد انتهى الوقت يا دانيال، قال الطبيب وهو يدخل الغرفة السرية. سارة أصبحت تعرف الكثير الآن، وعملية مسح الذاكرة لم تعد تجدي نفعاً.. علينا الانتقال للمرحلة النهائية.
فهمتُ في تلك اللحظة أن دانيال لم يكن يحميني، بل كان يتقاضى مبالغ ضخمة من هذه الشركة ليجعلني حقلاً لتجاربهم في تعديل السلوك والذاكرة. قصة قتلي لأمي كانت مجرد كڈبة زرعها في عقلي لأشعر بالذنب وأبقى تحت سيطرته!
استجمعتُ قوتي، ودفعتُ دانيال نحو الشاشات، وركضتُ نحو المخرج.. لكن البيت كان مغلقاً تماماً كالسجن.
بينما كانوا يطاردونني في أروقة البيت القديم، تذكرتُ مفتاحاً صغيراً كانت أمي تخبئه في قلادتها التي أرتديها. ركضتُ نحو القبو، وفتحتُ صندوقاً قديماً لأجد فيه هاتفهما السري وتسجيلات تثبت تورط دانيال والطبيب في عمليات اتجار بالبشر وتجارب غير قانونية.
اتصلتُ بالشرطة الحقيقية خارج نفوذ الشركة، وانتظرتُ خلف جدران القبو وأنا أمسك پسكين المطبخ. عندما اقتحموا المكان، لم يجدوا سارة الضعيفة، بل وجدوا امرأة قررت أن تستعيد حياتها.
اليوم.. دانيال خلف القضبان، والشركة تم إغلاقها. أما أنا، فلا أشرب الشاي قبل النوم أبداً.. فأنا أفضل أن أواجه كوابيسي وأنا مستيقظة، على أن أعيش أحلاماً مزيفة من صنع خائڼ.