كانت تنتظر الحافلة مع رضيعتها فغيّر موقف إنساني حياتها للأبد
آنا كان في نظرتها معنى واحد أنت هنا وهذا ليس خطأ.
وضعت آنا يدها على صدرها وشعرت بشيء لم تعرفه منذ زمن بعيد شعور الانتماء. ليس ذلك الانتماء الذي تمنحه الأسماء الكبيرة والأنساب بل الانتماء الذي تصنعه الأيدي حين تمتد والقلوب حين لا تغلق أبوابها في وجهك. شعرت كأنها تعود إلى الحياة لا كناجية من حاډث وحسب بل كإنسانة تستحق أن ترى.
عادت بذاكرتها إلى موقف الحافلات البرد الذي كاد يكسر العظام المقعد الخشبي انتظار شيء لا يأتي وآخر شريحة خبز في الحقيبة. تذكرت كيف كانت تقايض كل ساعة بين الحاجة والكرامة وكيف كان الخۏف يجلس قربها كظل ثقيل. ثم فهمت بوضوح لا يقبل الجدال أن العائلة ليست دما ولا لقبا ولا ماضيا موروثا. أحيانا العائلة قرار يتخذ كل يوم ويتجدد أبقى أحميك لن أتركك. ليست كلمة تقال مرة وتنتهي بل وعد يثبت نفسه بالأفعال.
وفي تلك الليلة حين هدأ البيت وحين صار الصوت الوحيد هو تنفس الناس في نومهم اقتربت آنا من سرير إيزابيلا. كانت الطفلة نائمة بسلام يداها الصغيرتان مفتوحتان كأنهما تصدقان العالم أخيرا. قبلت آنا جبينها وهمست بصوت خاڤت كأنه صلاة
لن تعرفي الوحدة التي عرفتها. أعدك.
ثم جلست لحظة في الظلام لا تبكي من الحزن بل من الامتلاء. أدركت أن النهاية الحقيقية ليست انتصارا على شرير ولا عنوانا صحفيا عابرا
ولا تصفيقا ينسى غدا بل بيت يبنى بالخير قطعة قطعة وبالصبر وبالصدق وبأناس اختاروا أن يقولوا لها أنت لست وحدك بعد الآن.
وفي ذلك الفهم شعرت آنا لأول مرة أن حياتها لا تبدأ من الخسارة بل من الرحمة التي قررت أن تصنع منها طريقا.