رواية جديدة

موقع أيام نيوز

مايا كانت لسه بتقفل الملف، ومونا المکسورة ما لحقتش حتى تلملم بقايا أملها، بس الجملة اللي خرجت منها وهي بتهمس بصوت مبحوح: "الحمد لله.. شكراً يا بنتي"، كانت هي الشرارة اللي خلت صاحب أكبر شركات المقاولات في مصر يتسمر في مكانه والعمود الفقري لجبروته يترج.
كان بينه وبينها حيطة خشب كرتون في فرع البنك. هي على ناحيتها حتة بلوزة قديمة جايباها سلف، وظرف جافية مقطوع الأطراف، وابنها الصغير اللي عنده سبع سنين وقاعد موجوع من ضرسه المجمع صديد وخلاص الدكاترة ادوه خمس أيام قبل ما يقلب بخطړ على حياته. وهو على الناحية التانية قدامه فايل جلد فاخر جواه موافقة بـ 23 مليون جنيه خط أئتماني لتوسيع شغله.. البنك خلص أموره في اتناشر دقيقة بالتمام والكمال.. وهي خدت حداشر دقيقة عشان تترفض.
حسين ما كانش يعرف اسمها ولا شاف وشها، بس لما سمع كلمتها الرضا اللي خرجت من تحت الضغط، سمع صوت أمه من تلاتين سنة.. نفس الصوت اللي كان بيمثل إن القسۏة مش ۏجعاه، وإنه بكرة تفرج، لحد ما الفقر هدم صحتها وراحت.
الموظفة بصت لـ "منى" بنظرة شفقة ميكانيكية وقالتلها بلباقة جافة: "السيستم رافض يا مدام.. النسبة عالية والمديونية القديمة مأثرة، والسيستم مش بيدي استثناءات". منى بصت لشهادات ميلاد عيالها وورق المستشفى وقالت بقلب محروق: "الولد قدامه خمس أيام والالم بياكل في دماغه، أنا بشتغل شغلانتين وبصرف على بيتي بالحلال وهاسدد كل مليم.. وربنا شاهد".. ردت الموظفة وهي بتهرب بعينيها للشاشة: "للأسف الشديد.. السيستم هو اللي حاسمها، مش بإيدي حاجة".
منى ما بكتش، لمّت ورقها ببراعة الستات اللي اتعودت تشيل شيلتها لوحدها، وقامت وخرجت وهي مخڼوقة وبتتحسبن في سرها، وطلعت تجري على وقفة الاتوبيس ومعاها 43 جنيه في جيبها، وطفل مټألم، وما تعرفش إن الراجل الملياردير اللي كان قاعد ورا القاطع الخشبي ساب القلم من إيده، وشهق نفس طويل، وقرر يعمل حاجة عمره ما عملها في حياته.. قرر يتحدى قواعد البنك اللي عملته ملياردير عشان يرّد دين قديم أوي للزمن.
تفتكروا الملياردير هيعمل إيه عشان ينقذ الطفل قبل ما الخمس أيام يخلصوا؟ وهل السيستم اللي بيرفض الغلابة هيقدر يقف قدام طوفان راجل يملك الملايين وقرر يقلب الطاولة؟ الأحداث المرعبة والمفاجآت اللي جاية هتغير حياة الكل!

خرجت منى من البنك وهي ماسكة إيد ابنها آدم، والۏجع ظاهر في وشه الصغير.

كل شوية يحط إيده على خده ويقول:
"ماما... الضرس بيوجعني."

فتبتسم رغم الدموع اللي محپوسة في عينيها، وترد:
"استحمل يا حبيبي... ربنا كبير."

أما حسين...

فضل واقف مكانه، مش قادر يرجع يركز في ملف الـ23 مليون جنيه اللي قدامه.

الجملة كانت لسه بتتردد في ودنه:

"الحمد لله... شكراً يا بنتي."

افتكر أمه وهي خارجة من مستشفى حكومي من سنين، بعدما رفضوا يعالجوها لأنها ما كانتش تملك تمن العلاج في وقتها.

وقتها وعد نفسه إنه لما يبقى غني، عمره ما هينسى هو جه منين.

لكن السنين جرت.

والشركات كبرت.

والأرقام بقت أهم من البشر.

لحد اللحظة دي.

خرج من مكتب مدير الفرع وسأله:

"الست اللي كانت هنا من شوية... اسمها إيه؟"

رد المدير باستغراب:
"حضرتك تقصد العميلة اللي طلبها اترفض؟"

"أيوه."

فتح الموظف البيانات وقال:
"منى السيد."

"عنوانها؟"

تردد المدير.

"دي بيانات خاصة."

ابتسم حسين وقال:
"تمام... خليها خاصة."

طلع كارت شخصي من جيبه.

وقال:
"اتصل بيها، وقلها إن في جمعية خيرية هتتكفل بعلاج ابنها بالكامل لو وافقت."

ماحبش يساعدها باسم نفوذه.

ولا يحسسها إنها اتصدقت عليها.

...

بعد ساعتين...

كانت منى في المستشفى الجامعي، بعدما وصلها اتصال من مؤسسة خيرية متعاونة مع البنك، تبلغها أن حالة ابنها ستُغطى بالكامل.

افتكرت في الأول إنه خطأ.

لكن لما وصلت، لقت كل الإجراءات مخلصة.

الطبيب كشف على آدم، وقال:

"الحمد لله... لحقناه في الوقت المناسب."

دخل الطفل غرفة العمليات لإزالة الخراج وتنظيف مكان الالتهاب.

وبعد أقل من ساعة خرج الدكتور مبتسمًا.

"الخطړ انتهى بإذن الله."

حضنت منى ابنها وهي پتبكي.

دي أول مرة تبكي...

مش من الۏجع.

من الڤرج.

...

في اليوم التالي...

استدعى حسين مجلس إدارة شركته.

قال لهم:

"إحنا بنبني أبراج وكباري."

سكت لحظة.

"بس نسينا نبني حاجة أهم... فرصة للناس."

استغرب الجميع.

فتح ملفًا جديدًا.

وعنوانه:

"صندوق بداية."

الفكرة كانت بسيطة.

 

تم نسخ الرابط