عدت من المطار قبل إقلاع الطائرة بساعات... فوجدت زوجي يحتفل باختفائي!
كانت الكلمة الأخيرة في الورقة هي جسدي.
كانت العبارة مكتوبة بخط يد أحمد.
نفس الخط الذي كان يترك لي يومًا ملاحظات صغيرة على الثلاجة يقول فيها أحبك وسأتأخر قليلًا.
نفس الخط الذي كان يوقّع به الشيكات والعقود وبطاقات ذكرى زواجنا.
والآن كان يكتب أن لا أحد يجب أن يعثر على جسدي.
شعرت أن الأرض تميل من تحتي.
أمسكت زهراء، الخادمة، بذراعي قبل أن أسقط.
همست
ست فاطمة، أرجوكِ... اخرجي من هنا. هؤلاء لا يمزحون.
نظرت مرة أخرى نحو غرفة الجلوس.
كان أحمد لا يزال يرفع الكأس مع المرأة الحامل.
وكانت حماتي أمينة ترتب البالونات البيضاء وكأنها تستعد لمناسبة عائلية سعيدة.
لكنني لم أعد أرى ما يحدث احتفالًا.
كان تدريبًا.
تدريبًا على غيابي.
قلت لها
أين وجدتِ هذا؟
ابتلعت زهراء ريقها بصعوبة.
في غرفة المكتب. الست أمينة طلبت مني أن أرمي بعض الأوراق. قالت إنها نسخ قديمة. لكنني رأيت اسمكِ... ورأيت تاريخ الغد.
قلت وأنا بالكاد أتنفس
أي حاډث؟
امتلأت عينا زهراء بالدموع.
سمعتهم يتحدثون عن طريق المطار. قالوا إنكِ ستندمين بعد وصولكِ وتقررين الرجوع... وإن سيارتكِ ستنحرف عند أحد المنعطفات.
وضعت يدي على فمي.
سيارتي.
نفس السيارة التي أصر أحمد على أخذها إلى التصليح في الأسبوع الماضي بحجة أن الفرامل تصدر صوتًا غريبًا.
نفس السيارة التي عادت برائحة وقود قوية وخزان ممتلئ، رغم أنني لم أكن قد استخدمتها كثيرًا.
في تلك اللحظة، اتضحت كل الأشياء دفعة واحدة.
المال.
السفر.
إصرارهم ألا أعود مبكرًا.
الملف الأزرق.
التوقيع المزوّر.
شهادة الۏفاة.
وزوجي الذي كان يبتسم وفي يده كأس، يحتفل بأنني خلال ساعات قليلة سأصبح امرأة غائبة عن الحياة... وزوجها سعيد.
قلت
أحتاج إلى دليل.
اتسعت عينا زهراء.
ماذا؟
إذا خرجت من هنا الآن بلا دليل، سيقولون إنني مچنونة. سيقولون إنني اخترعت كل شيء من الغيرة. أحتاج إلى دليل.
قالت پخوف
لكن إذا رأوكِ...
قلت
لن يروني.
كنت أعرف ذلك البيت أكثر من أحمد نفسه.
هو كان يحب أن يتباهى بالرخام والأعمدة والديكور والإطلالة الجزئية على بغداد حين يكون الجو صافيًا.
أما أنا فكنت أعرف الزوايا العمياء.
كاميرا الحديقة الجانبية معطلة منذ أشهر.
نافذة غرفة الغسيل لا تُغلق جيدًا.
وغرفة المكتب فيها خزنة مخفية خلف لوحة كبيرة كانت حماتي قد اشترتها من معرض فاخر في المنصور.
قلت لزهراء
ابقي هنا. إذا لم أخرج خلال عشر دقائق، اتصلي بالشرطة واصړخي.
هزّت رأسها برفض.
لن أترككِ وحدكِ.
قلت
إذن صوّري.
وضعت هاتفي في يدها وفتحت لها الكاميرا.
ثم خلعت حذائي.
مشيت حافية فوق العشب الرطب حتى وصلت إلى نافذة غرفة الغسيل.
دفعتها بحذر.
فانفتحت بصوت خاڤت.
تجمدت في مكاني.
من الداخل، ظلوا يضحكون.
تسللت إلى الداخل.
كان البيت تفوح منه رائحة العصير الفوار والزهور الغالية .
مررت بجانب غسالات الملابس، ثم مشيت في الممر المظلم باتجاه غرفة المكتب.
كانت الموسيقى تغطي صوت خطواتي.
كانت أغنية رومانسية تُشغّل في الصالة.
من النوع الذي كان أحمد يرسله لي قديمًا عندما يريد أن يوهمني أن بيننا شيئًا ما زال حيًا.
شعرت بالغثيان.
وصلت إلى غرفة المكتب.
كانت اللوحة في مكانها.
رفعتها ببطء، فظهرت الخزنة.
كان أحمد يظن أنني لا أعرف الرقم السري.
كم هو سهل أن تخدع رجلًا يظن أن صمت المرأة يعني جهلها.
أدخلت تاريخ زواجنا.
فانفتحت الخزنة.
كان بداخلها رزم من الدولارات، وسندات ملكية، وجوازات سفر، وذاكرة صغيرة، وظرف يحمل اسمي، وملف أحمر.
فتحت الظرف أولًا.
وجدت صورًا لي وأنا أخرج من البيت.
وأدخل إلى عملي.
وأتسوق.
وأقود سيارتي في شوارع بغداد.
صور التُقطت لي دون علمي.
ثم وجدت رسالة.
أنا أغادر بإرادتي الكاملة. أتنازل عن أي حق لي في المنزل والحسابات والشركة. ولا أرغب أن يبحث عني أحد.
وفي أسفل الورقة كان توقيعي.
مزورًا.
لكنه متقن.
متقن إلى درجة مخيفة.
شعرت ببرودة تسري في عروقي.
فتحت الملف الأحمر.
كان بداخله عقد تأمين على الحياة.
المستفيد أحمد سالم الراوي.
المبلغ مليونا دولار.
توقفت يداي عن الارتجاف.
لم يعد الأمر خوفًا.
صار غضبًا خالصًا.
غضبًا