رواية كامله
«لم يمضِ على ولادة زوجته سوى ثلاثة أشهر حين غادر للعمل بعيدًا، ثم اختفى عامًا كاملًا بلا أي تواصل. وفي يوم عودته، كان يحمل حقيبةً فيها مليون بيزو، لكن ما إن فتح باب البيت حتى تجمّد رعبًا أمام المشهد المرعب الذي رآه…»
توقّفت الحافلة الليلية عند أطراف بلدة سانتا برومة ديل بايي المغبرّة، بعد أن غابت الشمس خلف التلال. كان الهواء باردًا جافًا، لكن قلب لياندرو إيثكوا كان يخفق بمزيجٍ من القلق والأمل.
أمسك بإحكام بالحقيبة المهترئة المعلّقة على صدره. في داخلها مليون بيزو، أوراق نقدية عُدّت واحدةً واحدة، لُفّت بالبلاستيك، وتلطّخت بعرق عامٍ كامل من الچحيم.
على مدار اثني عشر شهرًا، كان لياندرو قد اختفى عن العالم.
عمل في منطقةٍ نائية على الحدود الشمالية، في أعمالٍ غير قانونية بين الجبال والصحارى، حيث لا إشارة هاتف، ولا عقود، ولا ضمانات. رحل دون أن يترك سوى أقلّ القليل من الكلمات. لم يتّصل. لم يكتب. لم يرسل مالًا.
لا لأنه لا يحب عائلته، بل لأنه راهن بكل ما يملك على ورقةٍ واحدة: أن يعود غنيًّا… أو ألّا يعود إنسانًا بلا قيمة.
حين غادر، كانت زوجته ماورا تشوتشيتل قد أنجبت منذ ثلاثة أشهر فقط. وكان ابنه ناهيل لم يتعلّم الابتسام بعد.
تحمّليني قليلًا يا ماورا… همس لياندرو لنفسه. هذه المرّة سأغيّر كل شيء.
لكن ما إن وصل أمام بيته، حتى انكسرت الأوهام.
كانت البيوت المجاورة مضاءة، تنبعث منها موسيقى ريفية ورائحة طعامٍ دافئ، أمّا بيته فكان يبدو كأنه مهجور منذ سنوات.
السياج معوّج. الفناء مغطّى بالأعشاب. وشجرة البرتقال العجوز يابسة، كأنها فقدت الأمل هي الأخرى.
شعر لياندرو بعقدةٍ في معدته.
ماورا؟ ناهيل؟… لقد عدتُ… نادى.
لا شيء.
دفع الباب. كان مفتوحًا.
لفحه هواءٌ خانق برائحةٍ حامضة ثقيلة: رطوبة، مرض، فقر.
حاول تشغيل الضوء. لم يعمل. فأضاء مصباح الهاتف.
كانت غرفة الجلوس مغطّاة بالغبار… إلى أن وصل شعاع الضوء إلى زاويةٍ في المكان.
سقطت الحقيبة من يده…
…سقطت الحقيبة من يده.
لم يكن المشهد كما قفز إلى ذهنه في اللحظة الأولى، بل كان أبرد وأقسى من ذلك بكثير.
في الزاوية القريبة من الحائط، حيث كانت الأريكة القديمة، رقدت ماورا على الأرض فوق بطانية رفيعة، شاحبة الوجه، عيناها غائرتان، وشعرها ملبّد كأنها لم تمشّطه منذ شهور. ذراعها النحيلة كانت ملتفّة حول جسدٍ صغير بالكاد يُرى.
ناهيل.
كان الطفل هزيلًا إلى حدٍ مؤلم. أضلاعه بارزة، وشفته السفلى متشققة، وأنفاسه متقطّعة كأن كل شهيق معركة.
تقدّم لياندرو خطوة، ثم أخرى، وكأن الأرض تحته لم تعد ثابتة. ركع بجوارهما، ومدّ يده بارتجاف.
ماورا… همس.
لم تُجب.
وضع أصابعه على عنقها، بحثًا عن النبض. وجده ضعيفًا، لكنه موجود. زفر هواءً حادًا كمن نجا لتوّه من الڠرق.
هزّ كتفها برفق:
ماورا… أنا هنا… عدت.
فتحت عينيها ببطء، وحدّقت فيه لثوانٍ طويلة بلا تركيز، كأنها ترى طيفًا لا حقيقة.
لي… لياندرو؟ خرج صوتها مبحوحًا.
انحنى، واحتضنها، فشهقت فجأة وبكت، بكاءً صامتًا متكسّرًا، التصق بصدره كأنها تخشى أن يتبخّر.
أين كنت؟ قالتها أخيرًا. عام كامل… عام كامل وأنا لا أعرف إن كنت حيًّا أم ميتًا.
لم يجد جوابًا. لم يكن أي تفسير كافيًا أمام هذا الجسد المنهك.